م. يمان ياسرجي
تتألف أشكال الهندسة التقليديّة من الخطّ، والسطح، والهرم، والكرة، والمخروط، وتمثّل تجريدات قويّة عن الواقع، وقد عثر الفنّانون فيها على جمالٍ مثاليّ، ولقرونٍ طويلةٍ اقترنت كلمة هندسة مع الأشكال المنتظمة، واتّجه الميل الهندسيّ بهذا المعنى إلى الذوبان في الفنّ المعماريّ، حيث تملك الأشكال الهندسيّة مقاساً محدّداً، يتناسب مع حجومها، لكنّ ” ماندلبروت” رأى أنّ الفنّ ينسجم مع غياب المقياس، أي يتوجّب عليه أن يحتوي على عناصر بمقاييس مختلفة.. ويعتبر مبنى دار الأوبّرا في باريس نموذجاً لهذه الذائقة الجديدة في الفنّ ذي المقاييس المختلفة.
إنّ تجريدات الأشكال التقليديّة، لا تصلح لفهم الظواهر المعقّدة، فالكُرات لا تشبه الغيوم، والمخاريط لا تشبه الجبال، والبرق لا يسير في خطّ مستقيم، كما يصعب تقدير طول شاطئ بحريّ يحوي على خلجان وأشباه جزر، ويتعذّر اعتماد رقم ثابتٍ لتعرجات الحدود بين البلدان.. وربّما في كلّ هذه الحسابات لا نصل إلى حدّها النهائيّ إلّا إذا وصلنا إلى تخوم الذرات.
وهنا.. وحيث يتوقّف العلم التقليديّ ويعجز.. تبدأ نظرية الفوضى.. وما أكثر الظواهر التي عجز العلم عن حلّ ألغازها، لما فيها من اضطرابٍ، وتقلّباتٍ، وتذبذبٍ، والتي تترجمُ الجانب غير المنظّم، وغير المتناسق، والمفاجئ، والانقلابيّ من ظواهر الطبيعة.. مثال ذلك: اضطراب حركة أمواج البحر_ تغيّرات المناخ وأحوال الطقس_ تذبذب عمل القلب والدماغ_ تقلّبات وتطوّرات في الأنواع الحيّة وأعدادها.
أمام هذه الإشكاليّات تضافرت جهود كوكبة من العلماء على اختلاف اختصاصاتهم، في الفيزياء، والرياضيّات، والبيولوجيا، والكيمياء، محاولين الإمساك بخيوطٍ تجمع ظواهر الفوضى كلّها.. ففي علم وظائف أعضاء الجسم، عثر المختصّون على تناسقٍ هائلٍ في الاضطراب الذي يصيب القلب البشريّ، فيوقف عمله بشكلٍ مفاجئٍ مسبّباً الوفاة.. وفي مجال الاقتصاد، أخضع علماء الاقتصاد تذبذب أسعار الأسهم في البورصات لنمطٍ جديدٍ من التحليل اللوغاريتميّ.. وفي مجال البيئة الطبيعيّة، درس علماء الأحياء الفَراش وتقلّبات أعدادها، ممّا فتح المجال لرؤى جديدةٍ، وآفاق واسعة في دراسة العالم المادّيّ..
وفي علم هندسة الحواسيب، ظهرت مجموعة غير مألوفة من الأشكال المتداخلة، والخطوط المتعرّجة والمترابطة، في حالة ملتوية، ومتكسّرة، ومتكرّرة، ومتغيّرة.. وفي الرياضيّات الفيزيائيّة، زعم عالم فيزيائيّ أنّه قادرٌ على تفسير حركة السوائل المضطربة عبر مفهوم رياضيّاتي مجرّد ومعقّد.. من أجل ذلك، تمّ إنشاء مركز أكاديميّ يدعى (مركز دراسات الظواهر غير المنظّمة)، وفي عام 1985م، وبعد عشر سنوات من جهود العلماء، صار مصطلح الفوضى (chaos الكايوس) اختصاراً لحركة متصاعدة، أعادت صوغ المؤسّسة العلميّة عالميّاً.. وقد ولّدت نظريّة الفوضى تقنيّات خاصّة في علم الحاسوب، وأنواعاً خاصّة من الصور الغرافيكيّة البيانيّة التي تلتقط التركيب الحسّاس الذي تنشأ منه الظواهر المعقّدة.. ومن هنا بدأت مصطلحات علم الكايوس (chaos) تتوالد مثل التفرّعات، والتوسّطات، والفترات الدوريّة، وخرائط أشرطة المعكرونة الرفيعة، والتحوّل إلى هيئة مختلفة، والمنشفة المطويّة….. والأشكال التكراريّة المتغيّرة ( فراكتال) والتي يمكن النظر إليها كطريقة لتأمّل اللانهائيّ..
فلو تخيّلنا مثلثاً، ثمّ وضعنا مثلثاً على كل ضلع نحصل على نجمة سداسيّة، ثمّ نضع مثلثاً على كلّ ضلعٍ من مثلثاتها، وهكذا…. حتّى يصبح الشكل أشدّ تناثراً.. يشبه ندف الثلج.
هذه المصطلحات وصّفت أنماط جديدة من الحركة، كما بدأت تصف ظواهر متحرّكة مثل (عمود دخان يرتفع من رأس سيجارة مشتعلة- أو حركة أيّ عَلَم يخفق مع الريح- أو حركة ماءٍ، نقطة وراء نقطة بطريقة غير ثابتة في صنبور يرشح).. وسعَتْ إلى صوغ معادلات رياضيّة بسيطة كي تشرح مظاهر كبرى عنيفة مثل (الشلالات). ترى هل يمكن لتقلّبات المناخ، أو لاضطراب حركة أمواج البحر، أن تتحوّل إلى معادلات رياضيّة؟؟؟
لقد بدت نظرية الفوضى وكأنّها تستطيع صياغة قوانين مشتركة تربط بين هذه الظواهر المضطربة بعضها ببعض، وقد تبيّن أنّ النظم البسيطة هي شديدة الصعوبة من حيث عدم القدرة على التنبؤ بمساراتها، وفي مقابل ذلك، وجد انتظامٌ ينبثق في قلب تلك النظم التي بدا أنّها تجمع بين الفوضى والنظام في آن معاً.. وهنا تجلّت ضرورة نشوء علم جديد لسدّ الثغرة بين ما يعرفه العلم عن عمل ( شيء مفرد)، وما يعرفه عن عمل ( الملايين من ذلك الشيء نفسه)، مثال : معرفة جزيء الماء، وخصائص تياراته وجريانه_ معرفة فقاعة صابون، وتقارب الفقاعات وتباعدها في مصرف حمّام.
بعد ذلك شرع كثير من العلماء في تطبيق معادلات الكايوس على أبحاث الذكاء الاصطناعيّ، واستعملوا معادلات من النظم المتأرجحة، وبدأ الفيزيائيّون ينظرون إلى الأفكار باعتبارها مناطق ذات حدود مشوّشة، تنفصل ثمّ تتداخل، تجذُب مثل المغناطيس ثمّ تُفلت ما تمسكه.. وقد عمّتْ علماء الكايوس الأوائل حساسيّات معيّنة، إذ تشاركوا في امتلاك عينٍ ثاقبةٍ تلتقط النمط الذي يعاود الظهور، ولو بشكلٍ مختلفٍ قليلاً، عبر مراحل زمنيّة مستقلّة.. وتوافقت ميولهم في التنبّه لكلّ شيءٍ عشوائيٍّ معقّد، وللحدود المتعرّجة والمتخبّطة، وللقفزات المفاجئة. كما رصدوا ظاهرة قوامها أن حدوث تغيّرات بسيطة في المعطيات الأوليّة في المعادلات، تُفضي عند الحساب النهائيّ إلى نتائج هائلة، وسرعان ما اشتهرت هذه الظاهرة باسم ” أثر جناح الفراشة ” الذي راج أولاً في أوساط خبراء الطقس بمقولة : إنّ رفّة جناح الفراشة فوق “بيجينغ” تستطيع أن تغيّر نظام العواصف فوق نيويورك.
المتحمّسون لهذا العلم الجديد، قالوا: إنّ القرن العشرين سيتميّز بثلاثة أشياء هي.. النظريّة النسبيّة.. الفيزياء الكموميّة.. ونظرية الفوضى.. حيث تتعامل النسبيّة مع المقياس كبير(الكون)، بينما تفكّر الكموميّة بالمقياس الأصغر فالأصغر ( الذرّة ودواخلها)، أمّا الكايوس فيتأمّل في أسئلة بسيطة عن ظواهر الطبيعة ( كيف تبتدئ عمليّة ظهور الأشكال الحيّة_ ما هو الاضطراب_ كيف يمكن صنع نظام في عالم محكوم بالسير نحو التفكّك والتشوّش)
رأى أحد علماء نظرية الفوضى، العالِم “لورنز” تركيباً هندسيّاً مرهفاً متخفّياً على هيئة العناصر العشوائيّة، فاستغرق في استنباط معادلاتٍ رياضيّةٍ تنتمي إلى النوع اللاخطّيّ (non-linear) للأنظمة التي لا تعرف الاستقرار، بل تقوم بتكرار نفسها ولكن بصورة مختلفة، وفي كلّ مرّة، وهي تدعى الأنظمة غير الدوريّة، مثل (أحوال الطقس_ الأنواع الحيوانيّة المتقلّبة الأعداد_ الأوبئة التي تنتشر وتختفي باستمرار).
ولقد اقتنع الجمع الهائل من العلماء أنّ هندسة التكرار المتغيّر، إنّما تمثّل هندسة الطبيعة نفسها.. حيث عبّر عن ذلك ” وليام بلاك” : يمكن رؤية العالم في حبة رمل.. وتخيّل ” لايبتز” أنّ قطرة الماء تحتوي على نسق الكون كلّه، لأنّها تحتوي على مجموعة نقاط من الماء، تحتوي بدورها على نقاط أخرى.. وهكذا…
لقد جسّدت الفوضى مجموعة من الأفكار، أقنعت كلّ هؤلاء العلماء بأن يساهموا في ولادة علمٍ جديدٍ.. ومهما كان تخصّصهم، فهم قد آمنوا بأنّ باستطاعة النظم البسيطة الحتميّة أن تنتج سلوكاً فائق التعقيد، وأنّ مهمّتهم الأساسيّة تتمثّل في فهم هذا التعقيد، كظاهرة في حدّ ذاتها.
وهكذا لم تبق الفوضى مجرّد نظريّة، بل اًصبحت أسلوب عمل.. ولم تقتصر على مجموعة قوانين، بل صارت منهجاً علميّاً تجريبيّاً، يحلّ فيه الحاسوب محل (المختبرات، والأنابيب، والميكروسكوبات)، معتمداً على تقنيّة الصور التخطيطيّة (الغرافيكيّة) كتمثيل رقميّ للمعادلات الرياضيّة.
علماء وصفوا مصطلح الفوضى( chaos الكايوس):
* فيليب هولمز( جامعة كورنيل): هو المعقّد، اللادوريّ، المدارات الجاذبة ضمن بعض النظم الديناميكيّة.
* هاو باي لين ( فيزيائيّ صينيّ): هو نوعٌ من النظام من دون نسقٍ دوريٍّ، وظاهرة طبيعيّة لوحظتْ حديثاً من نوع كلّيّ القدرة.
* بروس ستيوارت (عالم في مختبر بروكهامن): السلوك اللامنتظم، واللامتوقّع، للنظم الديناميكيّة الحتميّة اللاخطّيّة.
* جايمس كراتشفيلد: هو ديناميكيّة تتّصف بـ مقدار من البَدَد تراكميّة، السلوك الذي يعطي معلومات ، لكنّه ليس متوقّعاً بالمرّة.
* فورد: ديناميكيّات تلاحَظ عند التحرّر من الانتظام والإيقاع الدوريّ، ونوعٌ مثيرٌ يأتي من تجمّعٍ غنيٍّ بالتنوّع، وحريّة الاحتمالات، والفرص المتكاثرة.
إنّ الحوادث المتسلسلة في الحياة.. كما في العلم.. تصل إلى نقطة حرجة يكون أثر الشيء الصغير فيها متضخّماً.. ولعله من الجميل أن أنهي مقالي هذا بأغنية فلكلوريّة غربيّة:
” بسبب مسمارٍ، سقطت حدوة حصان….
وبسبب حدوةٍ، تعثّر حصان….
وبسبب حصانٍ، سقط فارس..
وبسبب فارسٍ، خسرت معركة….
وبسبب معركةٍ، فُقدت مملكة”.
المصادر
*كتاب “نظريّة الفوضى.. علم اللامتوقّع”.. للكاتب: جايمس غليك.. ترجمة أحمد مغربي.
* العديد من صفحات النت.
