المهندس رصين عصمت
يأخذ موضوع الإبداع والابتكار حيزاً هاماً وقدراً وافياً من الاهتمام لدى الدول، وتعتبره بعض حكومات البلدان المتقدِّمة من القضايا الهامة التي يجب أنْ تكون موضع بحثٍ مستمر، لأنَّ الإبداع والابتكار هما محركا الحضارة الإنسانية، ومولدا الطاقة الحركية لتقدّم الأمم وتطورها.
يفرّق بعض العلماء والباحثين أمثال: “أربني” و”رللومامي” بين مستويين من الإبداع والابتكار، ويطلقوا على النوع الأول: الإبداع العظيم، وهو الذي يحقّق الإنجازات الكبيرة للحضارة الإنسانية على مر العصور في مجالات العلوم، والهندسة، والأدب، والطب، وغيرها، وهو الذي يؤدّي إلى التقدم الاجتماعي والمعرفي والفكري.
أما النمط الثاني من الإبداع فهو الإبداع العادي الذي قد يكون موجوداً لدى أيّ إنسان عادي يحاول الابتعاد عن قليلاً عن الوضع القائم، ويحاول تحسينه، وتغييره للأفضل.
وسأركِّز في هذا المقال على الجانب الإداري والاقتصادي من عملية إدارة الإبداع والابتكار، حيث أصبحت المعرفة في وقتنا الراهن هي القاعدة الرئيسية لهما استجابةً وتفاعلاً مع الثورة المعلوماتية التي صاحبها الانفجار المعرفي في شتى المجالات: العلمية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية… وغيرها، بما استوجب لإدارة المنظَّمات أنْ تتفاعل وتستجيب لهذا الانفجار المعرفي، وأنْ تتماشى مع الثورة المعلوماتية، (وعصر الذكاء الاصطناعي)، وما فرضته من نُظم حديثة سريعة التغيير والتلاحق، فمدير المؤسَّسة أو المنظَّمة، لم يعدْ هو ذلك المدير المحلي القابع في عمله متمسكاً بأساليب تقليدية لم ولن تفلح مع تلك المتغيرات.
من هنا كان من اللازم أنْ يتسم المدير بسِمات القيادة المقنعة والمؤثرة، الفاعلة والمتفاعلة، الموجهة والمنسقة والمقيمة للأمور، وأنْ يكون قائداً إدارياً ناجحاً ومؤثراً يلتف حوله الجميع تحقيقاً لمصلحة المؤسسة التي يديرها وأهدافها، حيث يأتي الابتكار كأحد أهم وأفضل المهارات القيادية للانطلاق بالمؤسَّسة نحو الأفضل، ونحو التميّز والإبداع.
يتسم العصر الحالي بدخول معظم المنظَّمات في سباق للاتجاه نحو العولمة والعالمية والانفتاح على العالم في مختلف المجالات خاصةً مع اتساع دائرة المنافسة الدولية والتطور السريع في تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات، ودخول المنظَّمات في علاقات تجارية ومالية واقتصادية وإدارة أعمال دولية، والتوسّع الواسع للمنتجات، وبزوغ عصر الشركات العملاقة متعدِّدة الجنسيات التي خرجت إلى العالم مستخدمةً ثمرات التقدم التقني في جعل العالم بأسره سوقاً لها، سواء كسوق للمنتجات تامة الصنع، أو كمجال جديد لتقسيم العمل يقوم على التخصّص في إتباع جزء من أجزاء السلعة تاركةً الأجزاء الأخرى من العملية الإنتاجية لمناطق أخرى من العالم.
كل هذا يتطلب اتخاذ قرارات إدارية دقيقة، وأصبح من أساسيات الأداء الفعّال للقيادة الإدارية القادرة على التكيّف مع البيئة المحيطة، وأيضاً البيئة الدولية حتى تتمكَّن من مواجهة هذه التحدّيات والمنافسة في السواق المحلية والأجنبية، ومواجهة السلع المستوردة، والمحافظة على حياة وبقاء مؤسساتها في ظل الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية والسيكولوجية والثقافية وسوق العمل، وتتطلَّب طبيعة العصر وتحدّيات العولمة، وتحديات الواقع الذي فرضه الذكاء الاصطناعي نوعيات جديدة من القيادة الإدارية عالية الكفاءة ورفيعة المستوى من النواحي الأكاديمية والمهنية والثقافية والأخلاقية، نوعيات فعَّالة في عملية التغيير، قيادات قادرة على تعليم مهارة التفكير الإبداعي والابتكاري، ومهارات البحث والاستكشاف وإدارة الابتكار.
ومن الضروري أنْ تتبنَّى مؤسّساتنا وشركاتنا سياسة التحسينات المستمرة على خدماتها، وجعلها ميزة تنافسية بالتركيز على عناصر إدارة المعرفة، بالإضافة إلى الوصول إلى أساليب وطرق علمية تساعد الشركات الخدمية من الاستفادة من إدارة المعرفة لتعزيز ميزاتها التنافسية المستدامة عن طريق تحسين الابتكارات التنظيمية، لأنَّ معظم الدراسات العلمية المتخصصة توصّلت إلى وجود تأثير إيجابي بين إدارة المعرفة والابتكارات.
إدارة الابتكار:
يُشير مصطلح إدارة الابتكار إلى العمليات الإدارية في الابتكار، ويُمكن استخدامها لتطوير كل من المُنتج والابتكار التنظيمي، فدون وجود عمليات مُلائمة، لا يمكن أنْ يكون البحث والتطوير الكفاءة اللازمة؛ لذا تتضمَّن إدارة الابتكار مجموعةً من الأدوات التي تسمح بتعاون المديرين والمهندسين من أجل الوصول إلى فهم مشترك للأهداف والعمليات. وينصب محور تركيز إدارة الابتكار على السماح للمنظَّمة باقتناص أية فرصة سواء كانت خارجية أو داخلية، واستخدام جهودها الإبداعية لتقديم أفكار أو عمليات أو منتجات جديدة. والأهم أنَّ إدارة الابتكار لا تقتصر على البحث والتطوير؛ حيث تتضمَّن الموظفين والعمال عند كل المستويات من أجل المشاركة بشكلٍ إبداعي في تطوير منتجات الشركة وتصنيعها وتسويقها. ومن خلال الاستفادة من أدوات إدارة الابتكار المناسبة يُمكن للإدارة تحفيز ونشر القيم الإبداعية لدى قوة العمل بأكملها من أجل التطوير المستمر للشركة. ويُمكن النظر إلى العملية باعتبارها تكاملاً تطورياً بين المؤسَّسة والتكنولوجيا والسوق من خلال سلسلة متكررة من الأنشطة: البحث والاختيار والتنفيذ واقتناص الفرص.
قد تكون عمليات الابتكار إما تدريجية أو متسارعة أثناء التطوير. وتعتمد العملية المتسارعة على تكنولوجيا موجودة أو تمَّ اختراعها حديثاً، بحيث يكون لدى المؤسَّسة إمكانية الوصول إليها، وتُحاول إيجاد استعمالات مُربحة لاستخدام هذه التكنولوجيا. أما العملية التدريجية فتحاول التعرّف على الجوانب التي لم يتم فيها الوفاء باحتياجات العملاء، ومن ثَم تركز جهود التطوير من أجل إيجاد حلول لتلك الاحتياجات. ولكي تنجح أي من الطريقتين، هناك حاجة إلى فهم كل من السوق والمشاكل التقنية. ومن خلال تكوين فرق تطوير متعدِّدة الوظائف، تتضمَّن كلاً من المهندسين وخبراء التسويق.
تشمل الأدوات المشتركة العصف الذهني، والنماذج الأولية الافتراضية، وإدارة دورة حياة المنتج، وإدارة الأفكار، ونظرية الحل الابتكاري للمشكلات، وإدارة المشروعات، وتخطيط خطوط الإنتاج، وإدارة حافظة المشروعات.
قياس إدارة الابتكار:
يتصل قياس الابتكار على المستوى التنظيمي بالأفراد وعمليات التقييم على مستوى الفريق والشركات الخاصة من أصغرها إلى أكبرها. ويُمكن إجراء قياس الابتكار للمؤسَّسات باستخدام الاستبيانات لوضع أُسس المقارنة المرجعية الداخلية. وهناك الآن هيئة ناشئة للعمل بشأن مؤشر إدارة الابتكار باعتبارها أداة تحليلية فعَّالة تستخدم تحليل الانحدار لتتمكن من قياس الابتكار المؤسَّسي الذي يُركِّز على الدعائم التنظيمية للابتكار، وهي الثقافة والبيئة والاستراتيجيات وممارسات الابتكار، والسِمات الشخصية والمعتقدات والمواقف لدى مديري الإبداع والابتكار. وبالإضافة إلى ذلك، يضع مؤشر إدارة الابتكار خطة تدفق المدخلات الإبداعية من خلال نظام تشغيل المؤسَّسة الذي ينتج منه ابتكارات المؤسسة، أي المُخرجات الإبداعية.
المراجع
- Kelly, P. and Kranzburg M. Technological Innovation: A Critical Review of Current Knowledge. San Francisco: San Francisco Press.
- Clark, Charles H. Idea Management: How to Motivate Creativity and Innovation. New York: AMACOM.
- Tidd, Joe and Bessant, John (2009). Managing Innovation: Integrating Technological, Market and Organizational Change 4e – first ed. with Keith Pavitt. Chichester: Wiley.
- Trott، Paul (2005). Innovation Management and New Product Development. Prentice Hall. ISBN 0273686437. 2017-09-03.
- Boutellier, Roman; Gassmann, Oliver and von Zedtwitz, Maximilian (2000). Managing Global Innovation. Berlin: Springer. ص. 30. ISBN 3-540-66832-2.
Kerle, Dr R. Creativity In Organizations – How can creativity become a prime contributor to the strategic objective of the organization
