وعي ما بعد الاستبداد: نحو مشروع حضاري خارج النسق القهري

بقلم الكاتب: محمد زعيتر

مقدمة:

وصلنا الآن في التعليم إلى مرحلة الجهل المركّب، بحيث إنّ مدرس الصف الابتدائي أو الثانوي أو حتى دكتور الجامعة، هو ــ كإنسانٍ جيدٍ ويريد أن يفني نفسه في التعليم ــ لا يعرف أو لا يدرك أنه أداة في ماكينة تجهيلٍ ممنهجٍ وتدجينٍ فكري.

الموضوع لا يتعلق فقط بأخلاق المدرس أو محتوى المنهاج، بل بسلوكٍ ممنهجٍ داخل هذه المنظومات يؤدي إلى تركيبٍ بنيويٍّ في آليات التفكير لتكون مقهورةً ولا تملك أدوات إنتاج المعرفة.

حتى عمرانيًا، فإن سلوك الطالب داخل المدرسة يتأثر بإحساسه بالمكان، الذي أصبح يقارب السجن: من سور المدرسة المرتفع وباب الحديد، إلى تفاصيل هندسية أصبحت شرطًا في تراخيص المدارس. لقد تم قوننة الجهل من العمران إلى الإنسان، حتى في تعاطيه مع المادة العلمية.

فأصبح لدينا طالبٌ ومواطنٌ يتشاركان نفس البنية الذهنية: لا يتدخل فيما يُعرض عليه، لا يعطي رأيه، يرفع يده بإذن، يلبس بشكلٍ محدد، يتفاعل وفق أعرافٍ محددة، ويُكافأ أو يُعاقب داخل أطرٍ قهرية. ذلك الطفل هو ذات المواطن المثالي المقهور، حتى لو كان خريجًا أكاديميًا أو فنيًا أو مهنيًا.

المنظومة التعليمية: بنية شبكية مركّبة تتجاوز حدود المنهج والمؤسسة

غالبًا ما يُختزل مفهوم المنظومة التعليمية في الأذهان إلى المناهج المقررة أو الهياكل الإدارية للمؤسسات التعليمية، غير أن هذا التصور يُغفل الطبيعة الشبكية المعقدة التي تتسم بها هذه المنظومة. فالعملية التعليمية لا تُبنى على المناهج وحدها، ولا على الجامعات أو المدارس كمبانٍ وتنظيمات، بل تتكوّن من تفاعل متعدّد المستويات بين مكونات ظاهرة وأخرى خفيّة، تتشابك فيما بينها على نحو يجعل من التعليم بنية مجتمعية متكاملة. من إعداد المعلّم وتكوينه الأكاديمي والمهني، إلى تقسيمات التخصصات والحقول المعرفية، وصولًا إلى أساليب نقل المعرفة وآليات التفاعل بين الطالب والمحتوى، ثم بين الطالب والمعلّم، تتشكّل حلقات مترابطة تسهم في تكوين وعي جماعي يُعاد إنتاجه عبر الأجيال.

ويُضاف إلى ذلك أن هذه المنظومة لا تعمل بمعزل عن السياقات السياسية والاقتصادية والثقافية. إذ تلعب السلطة السياسية دورًا في توجيه السياسات التعليمية، كما تترك المصالح الاقتصادية، لا سيما من خلال التعليم الخاص، أثرًا واضحًا على شكل ومحتوى المعرفة المقدَّمة. أضف إلى ذلك “القيم الخفية” التي تُمرَّر ضمن العملية التعليمية دون تصريح مباشر، والتي تسهم في تشكيل الاتجاهات والتصورات الجمعية بشكل غير واعٍ. المنظومة التعليمية، بهذا المعنى، ليست فقط أداة لإنتاج المعرفة، بل هي أيضًا أداة لإنتاج الوعي الجمعي وإعادة تشكيل العلاقة بين الفرد والمجتمع.

وإذا ما نظرنا إلى هذا النظام من منظور هندسي أو شبكي، سنجد أننا أمام منظومة ذات بنية معقّدة، تتأثر وتتفاعل مع كل حقول الحياة، بدءًا من الأسرة والمجتمع المدني، وليس انتهاءً بالمؤسسات السياسية والاقتصادية. إنها بنية ديناميكية تتطلب فهمًا شاملاً لعلاقاتها البينية وتوازناتها الدقيقة، وهو ما يجعل أي محاولة لإصلاح التعليم أو تطويره غير ممكنة دون رؤية كلّية تُراعي هذا التداخل البنيوي العميق.

الأثر التراكمي للتعليم على شكل المجتمع:

هذا الأثر لا يظهر فجأة، بل يتشكّل عبر عقودٍ طويلةٍ من التراكم.

المنظومة التعليمية لا تصنع فقط “الخريج”، بل تبني سلوك المجتمع، وتُعيد إنتاج قيمه وذهنيته. ومن هنا تؤثر على شكل الدولة ذاته، من حيث تركيبة السلطة، وقبول المجتمع بها أو رفضه لها.

فلا يمكن فصل التعليم عن شكل النسيج المجتمعي، لأنه المحدد الأصلي لشكل هذا المجتمع، سواء بشكلٍ واعٍ أو غير واعٍ، لأنه يصنع الأجيال التي تُشكّل لاحقًا البنية الكاملة للمجتمع، بما في ذلك السلطة نفسها.

العلاقة بين التعليم والسلطة: من يخلق من؟

هل نظام الحكم يصنع شكل المجتمع؟ أم أن المجتمع هو من يصوغ نظام حكمه؟

هنا ينشأ تشابكٌ ضخمٌ بين علم الاجتماع وعلم السياسة، وحتى علم النفس.

تُبنى مجموعة من النظريات: أحدها يقول إن نظام الحكم هو من يصنع شكل المجتمع، في مقابل قولٍ آخر يتبنى فكرة أن المجتمعات هي من تُشكّل نظم الحكم فيها.

ويتدخل في تحديد هذا الخلاف فلاسفةُ السياسة والاجتماع، وقد يدخل المعركة أيضًا فلاسفةُ النفس واللاهوت.

وكل الإجابات رغم اختلافها تتفق على وجود نوعٍ من “التعالق” في شكل العلاقة. أي لا يمكن أن نفصل نظام التعليم عن وعي الشعب، ولا يمكن فصل وعي الشعب عن السياسة، ولا يمكن فصل نظام التعليم عن نظام الحكم.

وبالتالي العلاقة بين نظام التعليم وشكل الحكم هي ليست علاقة انفصالٍ أو اتصال، بل هي علاقة “تعالقية”.

وكما أشار ابن خلدون: المجتمع ليس مجرد مجموعة أفراد، بل تفاعلهم هو ما يُشكّل “مجتمعًا”.

من هنا، نجد أن المجتمع أكبر وأعمق من مجموعة بشر تعيش ضمن منظومة قوانين أو أعراف. فهو كيان حيّ تتشابك داخله نوازع الغريزة ومقاصد الوعي، ويقوم سلوكه على جدلية مستمرة بين التكرار والرفض، بين ما يُكرَّس بالغريزة وما يُختار بالعقل. فالإنسان ليس كائنًا مبرمجًا يكرر ما يراه من الآخرين، كما تفترض بعض التجارب السلوكية التي تشبّه البشر بقطيع يُقاد بالعدوى الاجتماعية، بل كائن قادر على الرفض، على كسر السلسلة، وعلى تحويل الفعل من تكرار إلى اختيار. وهنا يتجلّى جوهر الوعي الأخلاقي: في القدرة على قول “لا”، في أن يختار الإنسان ما ينبغي، لا ما اعتاد.

فالمجتمع إذن لا يُختزل في كونه “قطيعًا” تسوقه المؤثرات، بل هو منظومة قيم وتفاعلات تتجاوز الغرائز، وتعيد صياغة نفسها من داخلها. فكما يمكن أن تنتشر العدوى السلوكية في فعل سيّئ، يمكن أيضًا أن تنتشر في فعل خير. والإنسان، بما يمتلك من ضمير وقدرة على المحاكمة، هو الذي يقرّر أيّ هذه السلوكيات تتحوّل إلى نمط. لذا فالمجتمع ليس مجرد نتيجة لسلوك متكرر، بل هو أيضًا فاعل قادر على توجيه التكرار نفسه نحو الخير أو الشرّ.

وهنا بالتحديد دخل المستبد على الخط. فقد فهم هذه الثنائية — بين التكرار والرفض — بعمقٍ لم يدركه المجتمع بعد. عرف أن التكرار يصنع الطاعة، وأن الرفض يولّد الحرية، فاستثمر في الأولى وخنق الثانية. لم يكتفِ أن يجعل الناس يكرّرون الشعارات، بل عمل على قمع قدرة الرفض في داخلهم، حتى تحوّل “لا” من فعل إنساني إلى جريمة أو على أقل تقدير هو فعل لا أخلاقي. أعاد تشكيل المجال العامّ بحيث يكون كل تكرار امتثالًا، وكل امتناع عن التكرار خروجًا عن الإجماع. لم يلغِ الثنائية، بل استخدمها سلاحًا مزدوجًا: غذّى التكرار حتى صار عبادة، وجرّم الرفض حتى صار خيانة. وهكذا لم يعد الخطر في القهر المادي فحسب، بل في ترويض الوعي، في تحويل الإنسان من كائن يختار إلى كائن يعتاد. ومن هنا بدأت الغيبة: حين صار الامتثال هو الأمان، والاختلاف هو الخطر.

ومن هنا ننتقل إلى مستوى أعمق: فالعقل الجمعي، شأنه شأن الفرد، لا يُحكم عليه بالعجز لمجرد أنه يتأثر بالبيئة أو يخضع لعوامل القهر، بل هو أيضًا قادر على إنتاج فكرٍ جديد متى لم تُسلب منه أدواته، ومتى لم يُقهر على الاستهلاك فقط. فهو لا يعيش على ما يُغذّى به من أفكار جاهزة، بل يمكنه أن يهضمها ويعيد إنتاجها، كما يهضم الجسد الغذاء فيحوله إلى طاقة. لكن حين تُنتزع أدوات النقد والتفكير، يتحول المجتمع من منتج للفكر إلى مستهلك له، ومن كائن حيّ إلى آلة ترديد.

هكذا يتحوّل المجتمع من كيان منتج للقيم إلى مستودع للتكرار، ومن ذاتٍ فاعلة إلى موضوعٍ لسيطرةٍ ناعمة. لا يحتاج المستبد حينها إلى أن يفرض رقابة صريحة، لأن الذهنيات التي صنعها تُنتج الرقابة ذاتها: رقابة داخلية أعمق من كل جهاز أمني.

وهنا تبرز الأسئلة الحقيقية التي تضعنا أمام المأزق الأخلاقي والإنساني معًا:

ما الذي يجعل المجتمع قادرًا على إنتاج الفكر أو عاجزًا عنه؟ أهو التعليم، أم الحرية، أم الجرأة على السؤال؟

  • هل يمكن لعقلٍ وُضع في قفص أن يُبدع إلا إذا كسر القفص أولًا؟
  • وهل يمكن لوعيٍ تكرّس على الطاعة أن يتعلم الشكّ دون أن يتهم نفسه بالخطيئة؟
  • هل نحن نستهلك ما يُقال لنا لأننا نؤمن به، أم لأننا لم نعد نملك أدوات اختبار صدقه؟
  • وهل يمكن لمجتمعٍ أُفرغ من قدرته على النقد أن يدرك أنه كذلك أصلًا؟

هذه الأسئلة لابد من طرحها قبل الاهتمام بالبحث عن أي شي آخر فهناك أسئلة أهم من الأجوبة وهذا ما سنراه في بقية السلسلة من علاقة اللغة بالوعي وعلاقة كل هذا بالمستبد وبالوعي الجمعي الذي صنعه

الحدود المصطنعة بين العلوم داخل المنظومة التعليمية:

إن الحد الفاصل بين علم الاجتماع وعلم السياسة وعلم الفلسفة والعلوم الإنسانية عمومًا، هو حدٌّ لم يوجد إلا في جدران مباني هذه المنظومات التعليمية. أو يمكن القول بأنه فصلٌ إداريٌّ وعمرانيٌّ فقط.

وحتى لو تم فصل الأقسام الإنسانية والتجريبية (كالهندسة والطب)، لا يمكن نزع الروح الفلسفية أو الاجتماعية من بنية أي مادة علمية.

فالإنسان في بنيته كائنٌ اجتماعيٌّ يعيش ضمن عالمٍ ماديٍّ، ويتناول أفكارًا مجردةً تحدد طريقة رؤيته لهذا العالم، وبالتالي سلوكه ضمنه.

وإن ذلك الحد في حقيقته غير موجودٍ في ذهنية الناس، داخل وخارج المنظومة التعليمية. ما يقوم به النظام الاستبدادي والقهري أنه يعود لفكرة “فرّق تسد”، فأنت تدرس التصميم دون أن تدرس تاريخًا أو سياسةً أو حتى عقيدة، رغم أن الطالب داخل هذه المنظومة لا يستطيع الانفكاك عن إرثه الثقافي الذي جُلّه تم تشكيله من دوراتٍ متراكبةٍ من الجهل المنمّط داخل المنظومات التعليمية، والأسرة، والمجتمع.

فأصبح يعاني من ازدواجيةٍ في حياته الحقيقية داخل المجال الأكاديمي؛ فهو يدرس الهندسة ولا يتدخل بالأخلاق، بل ويظن أن لا مكان لها في دراسته، وينصدم بواقعٍ كل مساره المهني متعلقٌ بسمعته، ومنظومته الأخلاقية، ونظرته الاستراتيجية، وأحيانًا الفلسفية والسياسية على حدٍّ سواء.

مما أدى لتلك الفجوة بين الواقع وبين الأكاديميات، ولربما فجواتٍ أكبر بين الإنسان والمثقف، وبين الواقع والثقافة العامة في الذهنية المجتمعية.

التعليم كأداة استلاب لا كأداة تحرر

التعليم هو ساحة المعركة الحقيقية.

فهو أخطر طريق يختاره الناس لنزع الاستبداد عنهم، لذلك كان هو عدو المستبد الأول ووسيلته المفضلة التي لا يساوم فيها، حتى لو اضطر لمساومات سياسية، إلا أن هذا الموضوع يُعتبر خط الدفاع الأول عنه، لأن الأثر الفاصل بين الظلم وبين إحساس الناس بالظلم هو وعيهم بالظلم، أو بالفقر، أو حتى بالجهل.

الفارق بين الفقير وبين مَن يعي أنه يُفقَر، هو ردة الفعل، فيقوم الجهل المركب على بناء ذهنية جاهلة لا تعي أنها جاهلة. وهذا هو أخطر من الجهل: “وهم المعرفة”.

الفارق بين مواطنَين يريدان قيادة سيارة: أحدهما يعلم أنه لا يعرف قيادة السيارة، والآخر يظن أنه يعرف، هو أن الأول سيتعلم، أما الثاني فسيقتل نفسه لو استلم المقود.

فمنهجيات المنظومة التعليمية التي تمنعه من التدخل بالمادة العلمية من الصغر، لمدة تتجاوز 25 سنة، وتجعله لا يعطي رأيه ولا ينتج أي معرفة، بل ويظن بعدها أنه وصل إلى معرفة مفرغة لا يلقاها في حياته اليومية، ستجعل منه شخصًا يسمع ويطيع، وتُنتزع منه حرية الفكر، ليتطوع ذهنه بعقلية القارئ، لا الكاتب، ولا الصانع، ولا حتى المعدّل أو الناقد.

ليصل بعدها إلى مرحلة يصبح فيها “العلم” مجرد حاجة اجتماعية. مجتمع يصفّق فيه للطالب النجيب، ويضرب الطالب الذي لا يحصل على درجات عالية. وهنا لا نتحدث عن ذكاء أو غباء، بل عن استيعاب وانخراط، أو خضوع ونفاق.

يتعامل الفرد مع المنظومة التعليمية كنظام نفاق اجتماعي، ينشطر فيه المجتمع طبقيًا وأخلاقيًا، بين الأكاديمي والفني، أو بين الأكاديمي وغير الأكاديمي، بغض النظر عن نوعية علمه أو مصادر معرفته، فيُنبذ من حصل على علم حقيقي خارج هذه المنظومة، فقط لأنه لم يدخل مدجنَتها.

ويُحارب هذا الخارج من قِبل الناس، لا من قِبل المستبد نفسه، فيفوز المستبد بالمعركة دون أن يتدخل، بينما تولّت المؤسسة الاجتماعية بقية المهمة.

وهنا، وبضيق المساحة، لن نخوض الآن في شق “تربية الذل والإهانة” ومفهوم التربية الذي اندمج سلوكيًا مع الإهانة، وانتقل من الخريج إلى أسرته، ليورثها لجيل جديد بمفاهيم هو ذاته يرفضها، فيعيد إنتاج سلوكيات يكرهها، ويُصبح قدوة لجيل آخر لا يعرف لماذا نحن نقدّس هذا الجهل. كأن نقدّس الإهانة باسم احترام الكبير، أو الأب، أو المعلم.

وهذا الموضوع سنتكلم فيه في مقال متخصص لاحقًا بعنوان: “صناعة الذل والثقة بالنفس.”

منظومة التعليم ووهم الحياد العلمي

هل هناك “علم حيادي” فعلاً؟

هذا السؤال يتجاوز الفرضيات المجردة، ويمس جوهر العلاقة بين الإنسان والمعرفة. كما أن هناك فرقًا جوهريًا بين المستبد والاستبداد، هناك فرق أيضًا بين العلم والعالم. العلم ليس التجربة فحسب، بل هو الوعي بها، والفهم الذي يمنحه العالم لما يراه ويختبره. فلا يمكن لأي مخلوق أن يفصل بين ملاحظاته وبين مفاهيمه الكبرى التي يحملها في داخله.

خذ مثالًا بسيطًا: مجموعة من الأشخاص يشاهدون عصفورًا جميلاً.

الأول تعاظم عنده مفهوم الحب، فيراه بعين العاطفة، الثاني تهيمن عليه فكرة التطور، فينصب تركيزه على شكل الريش، الثالث يربط ما يراه بمفهوم التاريخ، فيتساءل عن نوع الطائر وأصله، الرابع مفعم بالإيمان، فيُسبّح الله، الخامس يرى في المشهد دليلاً على غياب الإله.

ما يحدث هنا ليس تباينًا في الوصف، بل اختلاف في التفسير، نابع من القيم الكبرى التي تسكن كل ذات، حتى مع ثبات أدوات التجربة. وهنا يتضح أن حيادية الأداة لا تضمن حيادية الفهم، وأن فلسفة العلم لا تنفصل عن الذات التي تمارسها.

من هذا المنطلق، تشكّل وهم الحياد العلمي، الوهم الذي مكّن للعلم الزائف أن يتمدد، من نظريات “جمجمة المجرم” عند سيغمند فرويد، إلى “تفوق العرق الأبيض” علميًا. لم يعد العلم أداة معرفة، بل تحوّل إلى أداة قمع. المستبد أقنع الناس أن العلم يُؤخذ كما هو، دون تدخل بشري، ليُمارَس فقط داخل أسوار مزرعته، وكل ما سواه يُعد خطرًا على الأمن العام.

لكن هذا الوهم، كُسر فعليًا في لحظة فارقة في سوريا. لحظة خرجت فيها مظاهرات ذات قيم أخلاقية من قلب الجامعات، لتقول إن المادة العلمية، حين تُفصل عن القيم، تُحوَّل إلى أداة طيّعة في يد السلطة، وإن الوعي الحقيقي لا يمكن أن ينفصل عن العقيدة الأخلاقية.

أقول هذا لا من موقع المراقب، بل من داخل التجربة: كنت طالبًا جامعيًا حين وجدت نفسي معتقلًا، لا لشيء سوى أنني صدّقت أن الجامعة يمكن أن تكون مكانًا للقيم، مكانًا للكرامة.

وعندما تحررت الجامعة، لم يكن رد الفعل الأول هو انتقامًا، بل صلاة جماعية في قلب الحرم الجامعي. هذا السلوك، الذي قد يراه المستبد خطرًا، يستحق الدراسة لا القمع، الفهم لا الرعب. لأنه يختصر كل شيء: القيم عادت إلى مكانها الطبيعي.

المستبد لا يخاف السلاح بقدر ما يخاف نزول القيم إلى داخل المنظومة التعليمية، لأنها تمثل صف الدفاع الذهني الأول عنه.

لقد بيّنت هذه اللحظة أن محاولة نزع القيم والعقيدة من الوعي المجتمعي، تحت حجج علمية أو أكاديمية، هي في حقيقتها خدمة مجانية للاستبداد في معركته ضد الإنسان.

فالعلاقة بين العلم والإيمان ليست ترفًا نظريًا، بل هي التي تحدد شكل المجتمع.

حين يُنتزع الإيمان من العلم، يتحول الأخير من وسيلة بيد المجتمع إلى آلة منفلتة، تنتج ما يُطلب منها دون وازع. هنا يصبح العلم ذاته خطرًا: كارثة نووية، حرب إلكترونية، أو حتى علم لمجرد العلم، يُحوّل المعرفة إلى عبث. تنقلب الغاية، ويصبح الإنسان في خدمة العلم، لا العكس.

ومع ذلك، فإن القول بعدم الإيمان هو بحد ذاته شكل من أشكال الإيمان. وهذا سيقودنا لاحقًا إلى التمييز بين حرية المعتقد، وبين أدلجة الفكر وتنميطه، وفرض نماذج جاهزة تُلغي التنوع الفلسفي للوجود الإنساني.

في ظل النسق الاستبدادي، يصبح الحديث عن حياد علمي سؤالًا عبثيًا، لأن كل المنظومات – القضائية، الاقتصادية، الدينية، والسياسية – مشتبكة جذريًا مع المنظومة التعليمية، لا على سبيل التكامل، بل على سبيل الإخضاع.

في سوريا، كما في أغلب الدول العربية، توقف إنتاج النظريات منذ زمن بعيد، ليس لفقر في العقول، بل لتحكم السلطة في بنية التعليم، وحرمان المجتمع من فضائه الطبيعي للنقاش والمعرفة. في دولة لا يحكم شعبها نفسه، لا معنى لخلاف نظري حول الحياد العلمي.

لكن، رغم كل شيء، لدينا اليوم فسحة لطرح هذه الأسئلة مجددًا. لدينا مثقفون.. لكن ليست لدينا مدارس ثقافية.

وسنتناول هذا في مقال لاحق من هذه السلسلة.

الفرصة السورية الحالية: انفتاح جديد أم إعادة إنتاج؟

في سوريا، هناك فرصة قد لا يدرك كثيرون حجمها.

فرصة فريدة تتجلى في انفتاح نسبي للحوار الوطني، وتعدد في الخطابات السياسية، وهو ما يفتح المجال لبناء نظريات جديدة، وتجريبها في واقعٍ مختلف عمّا سبق. لكن كما هو الحال مع كل ولادة فكرية، تأتي هذه الفرصة محمّلة بالخوف، بل بالارتباك العميق.

الإنسان بطبيعته عدو ما يجهل، أو لنقل، يعادي الأماكن المظلمة في ذهنيته، فلا ينظر فيها، ولا ينيرها، بل يتفاداها وكأن الاقتراب منها تهديد لهويته.

لذلك حين تنهار سلطة مستبدة، لا ينهار الخوف معها تلقائيًا، بل قد يشتد. البعض يرى في أي فكرة مخالفة لما يؤمن به محاولة جديدة للهيمنة عليه، وكأن الخروج من سجن المستبد أدخله في سجن الشك. وهذا الخوف يمكن فهمه، لأنه نتيجة شعور مفاجئ بالفراغ، بغياب ذاك الذي كان يقول له ما يفعل، ويتحدث باسمه.

يشبه هذا حال طفل انفصل عن والده المجرم بعد أن اكتشف جرائمه. الطفل لا يشعر بالتحرر فورًا، بل بالخوف. فقد مصدر قراراته، وتزعزعت ثقته بنفسه، سواء بفعل القهر، أو بسبب الاعتماد الطويل على من كان يقرر عنه.

وهذا الخوف لا يقف عند الأفراد، بل يتجلى بنيويًا في العلاقة بين المكونات الاجتماعية. في مسألة “الأقليات” مثلًا، نجد أن الأغلبية تخاف من الأقليات، وربما بالقدر ذاته الذي تخاف فيه الأقليات من الأغلبية. ليس لسبب واقعي مباشر دائمًا، بل لأن الطرفين لم يُمنحا فرصة حقيقية للتعارف، فظل الجهل يتغذى على الخوف، والخوف يكرّس الانغلاق.

وفي هذا السياق، من الطبيعي أن تظهر أصوات منزعجة من حالة الانفتاح، أو التململ من أن “كل من هب ودب صار يتكلم”. لكن هذا التململ في جوهره يعكس رفضًا لكثرة القول، وكأن المجتمع كان معتادًا على أن يُقال القليل، بصوت واحد، بإذن واحد.

لكن الحقيقة أن قول العامة في الخاصة، وقول الخاصة في العامة، هو أمر ضروري لبناء سوق حقيقي للأفكار.

ذلك السوق الذي يمكن للمجتمع أن يدخل إليه، يرى الخيارات، يختبرها، يشتري منها ما ينفعه، ويترك ما لا يحتاجه. حتى إن لم تعجبه بعض الأفكار في البداية، يكفي أنها موجودة لتُفعّل حسّه النقدي، وتوقظ وعيه الجدلي.

فلا معنى لأن تقول إنك اخترت تفاحة حمراء، إذا كان كل التفاح أحمر. ولا معنى للحرية في التفكير دون تنوع حقيقي في الأفكار. الخيار لا يكون خيارًا إلا بوجود بدائل. وهكذا فقط، تبدأ المجتمعات في بناء مناعة فكرية، ومجال عمومي حي، لا يستبد به أحد، ولا يُقصى فيه أحد.

المرحلة الجديدة: من البناء الفردي إلى البناء الجمعي

إذا كان النظام الاستبدادي قد بنى منظومات تعليمية ضمن قوانين ضمنت استمراره لعقود، فنحن الآن أمام مسؤولية إعادة البناء — ليس فقط للفرد، بل للمجتمع.

  • نحتاج إلى نسيج مجتمعي ينجو كمجتمع لا كأفراد.
  • نحتاج إلى مشاريع واقعية، عملية، قابلة للتطبيق، لا إلى معلومات سطحية.
  • المعرفة اليوم ليست نادرة، الأدوات موجودة، المطلوب هو امتلاك منهجيات صناعة المعرفة.
  • نحتاج إلى مجتمع قادر على أن “يتعلم ويعلّم ذاته”.

لماذا نبدأ من التعليم؟

كما بدأ المستبد من التعليم… نحن نبدأ منه.

في المقال رقم صفر، تحدثنا عن الفرق بين “الاستبداد” و”المستبد”، وفهمنا أن محاربة الممارسات الاستبدادية لا تبدأ من رأس السلطة فقط، بل من البنية التي تغذيها وتعيد إنتاجها.

ولأن التعليم هو أول أداة لبناء الوعي، فإنه يشكل نقطة الانطلاق الطبيعية. فمَن لا يتعلم لا يمارس. قد يقلد أو ينقل، لكنه لا يبني.

من هنا، حين نبدأ من التعليم، نكون قد بدأنا من القدرة على رؤية القيد، وإدراك الجهل، ومواجهة الضعف. حين نرى القيد، ربما ندرك، وحين ندرك، يمكن أن نحرر، وحين نحرر، نستطيع أن نبني.

في بداية الثورة السورية، كان النقاش في الوعي الجمعي يدور حول سؤال بسيط في ظاهره، عميق في دلالاته: هل هناك استبداد حقًا؟

هل هناك قيد؟

لقد كانت هناك شريحة لا تعترف أصلًا بوجود القيد، لا لأنها مؤيدة بالضرورة، بل لأنها لم ترَه، ولم تُعلَّم كيف تراه. لهذا كان التعليم هو الخطوة الأولى: لا لكسر القيد فقط، بل لرؤيته أولًا، ثم لفهمه، ثم لمواجهته.

خاتمة مفتوحة

نحن لا نتكلم هنا عن فكر كاتب أو فكر قارئ. نحن نتحدث عن عقل جمعي، ووعي جمعي يتشكّل ويتحوّل، يتغير بتغير الأحداث والجدل، ويتطور بالأسئلة لا بالأجوبة.

فأسألك أيها القارئ:

  • ماذا سيتغير لو مارست هذا الكلام؟
  • ماذا سيحصل في الوعي الجمعي، لو بدأ يتشكل بطريقة لا قهرية، تُدرك أنه يجب أن “تفهم كيف تفهم”؟
  • هل الوعي الجمعي قادر على أن يبني وعيًا حرًا؟
  • أم أنه سيعيد إنتاج صنم آخر من تمر، يعبده، ويظن أنه يُحيي ويُميت، ثم يأكله حين يجوع؟