إدارة المعرفة

المهندس رصين عصمت

أمين سر نقابة المهندسين السوريين

Raseen.ismat@gmail.com

مقدمة:

يستعمل العاملون في مجال المعلوماتية مصطلح “إدارة المعلومات” استعمالاً واسعاً، وقد يخلط غير المتخصّصين بين هذا المصطلح المتداول كثيراً في البيئة المعلوماتية منذ عدة عقود، ومصطلح حديث نسبياً هو “إدارة المعرفة” (Knowledge Management‏)، وذلك نظراً لأنَّ تقنية المعلومات تلعب دوراً مهماً ومحورياً في برامج إدارة المعرفة.

إنَّ إدارة المعلومات هي جزء من نُظم المعلومات الإدارية والتي تستخدم الموارد البشرية والبرمجيات والأجزاء المادية في تحسين الأداء الوظيفي، بينما تُعد إدارة المعرفة من أحدث المفاهيم الإدارية، وقد شهدت السنوات الماضية اهتماما متزايداً من جانب قطاع الأعمال لتبني مفهوم إدارة المعرفة. 

مفهوم إدارة المعرفة (Knowledge Management‏): 

إنَّ من الصعب إيجاد تعريف واحد لإدارة المعرفة، فقد ظهرت تعاريف عديدة، منها ما عرّف إدارة المعرفة بأنها “عملية تعريف وتحصيل وتخزين واسترجاع، ونشر وتطبيق رأس المال الفكري الظاهر والضمني، لمنفعة أفضل للأفراد والسوق والمجتمع”، وقد عرّفها آخرون بأنها “توظيف للحكمة المتراكمة لزيادة سرعة الاستجابة والابتكار”.

وهناك من قال: “إنَّ إدارة المعرفة تُشير إلى الاستراتيجيات والتراكيب التي تُعظم الموارد الفكرية والمعلوماتية، من خلال قيامها بعمليات شفافة وتكنولوجية تتعلق بإيجاد وجمع ومشاركة وإعادة تجميع وإعادة استخدام المعرفة، بهدف إيجاد قيمة جديدة من خلال تحسين الكفاءة والفعَّالية الفردية والتعاون في عمل المعرفة لزيادة الابتكار، واتخاذ القرار”. 

في حين ركّز كتابٌ آخرون على أنَّ “إدارة المعرفة تتضمّن إيجاد بيئة مناسبة في المنظمة تُسهّل عملية إبداع ونقل ومشاركة المعرفة، بالتركيز على إيجاد الثقافة التنظيمية الداعمة، وبدعم من القيادة العليا ذات الرؤية الثاقبة، وتحفيز العاملين، والعمل على زيادة ولاء الزبون”.

وعرّفها آخرون بأنها مجموعة العمليات التي تُساعد المؤسسات على توليد المعرفة والحصول عليها، واستخدامها ونشرها، وتحويل المعلومات الهامة وكذلك الخبرات التي تمتلكها المؤسَّسة، والتي تُعتبر ضرورية للأنشطة الإدارية المختلفة، كاتخاذ القرارات، حل المشكلات، التعلم، التخطيط الإستراتيجي.

وقد عُرّفت حديثاً بأنها “عملية يتم بموجبها تجميع واستخدام الخبرات المتراكمة في أي مكان في الأعمال، سواء أكان في الوثائق أو قواعد البيانات أو عقول العاملين، لإضافة القيمة للشركة، من خلال الابتكار، والتطبيق، وتكامل المعرفة في طرق غير مسبوقة”.

وفي الجانب التطبيقي، تتعلق عملية “إدارة المعلومات” في الوقت الحاضر أساساً بنظم المعلومات واستخدامها في إنتاج وبث وإيصال المعلومات. كما تتعلق بدراسة وتفهّم استخدام عدد من التكنولوجيات ذات العلاقة بمعالجة البيانات وإنتاج المعلومات. وفي هذا السياق، هناك عدد من المصطلحات الفرعية، مثل: إدارة الوثائق، وإدارة الأرشيف، وإدارة المجموعات، وإدارة مصادر المعلومات.
تعاريف أخرى لإدارة المعرفة:

إدارة بالمعرفة هي المشاركة المنظّمة في المعلومات لتحقيق أهداف عديدة كالإبداع، وعدم ازدواجية الجهود، والمزايا التنافسية. 

الإدارة بالمعرفة هي عملية منتظمة وفاعلة لإدارة وتفعيل مخازن المعرفة في المنظمة وتوظيفها في تحقيق أهداف المنظمة. 

إدارة المعرفة هي عملية تعني باكتشاف وتكوين وخزن واستعادة وتوزيع واستخدام المعلومات سواء كانت ضمنية أو علنية. 

إدارة المعرفة هي استغلال المهارات والخبرات لدى أفراد المنظمة من خلال العمل الجماعي وجلسات العصف الذهني، والبحث عن المعلومات اللازمة لتحقيق أهداف المنظمة وتحقيق الميزة التنافسية ومن ثم ضمان البقاء والاستمرار في المنافسة. 

إدارة المعرفة هي الوسيلة والطرق التي من خلالها نستطيع استخراج المعلومات المخزّنة سواء في العقل البشري أو الحاسوب وتحويلها ونشرها للمساعدة في اتخاذ القرار. 

إنَّ المعرفة هي أساس القدرة في عملية خلق الأفكار وتحقيق مستويات عالية من الجودة والإبداع التقني، بل هي ضرورة لتنفيذ الأنشطة الإدارية بكفاءة وفعَّالية عالية.

يذهب الأستاذ “شوقي الصباغ” إلى القول بأنَّ المعرفة ليست المعلومات، بل هي أعلى من المعلومات شأناً، ولغرض الحصول على المعرفة فإننا نسعى إلي المعلومات، ولهذا يعتقد بأنَّ المعلومات هي الخطوة الأولى للحصول على المعرفة. 

بينما يري “باجات” بأنَّ المعرفة يتم ابتداعها أو إعادة بناؤها أو تغييرها من أجزاء من المعلومات ذات الصلة وغير ذات الصلة إلى درجة أنَّ المعلومات تتمتع بالنوع الصحيح من الإشارات التي تكوّن المعرفة في ذهن المتلقي. 

ولكي نفهم إدارة المعرفة الفهم الصحيح، يجب أنْ نفهم أولاً مفهوم المعرفة.

صنّف (Polanyi) المعرفة لفرعين أساسيين:

  • المعرفة الضمنية.
  • المعرفة الظاهرية.

تتعلّق المعرفة الضمنية بالمهارات  التي هي في حقيقة الأمر توجد في داخل عقل وقلب كل فرد، والتي من الصعب نقلها أو تحويلها للآخرين.

أما المعرفة الظاهرية فتتعلَّق بالمعلومات الموجودة والمخزّنة في أرشيف المنظَّمة أو المؤسَّسة أو الشركة، ومنها: (الكُتيّبات المتعلقة بالسياسات والإجراءات، المستندات، معايير العمليات والتشغيل). وفى الغالب يُمكن للأفراد داخل المنظَّمة أو المؤسَّسة الوصول إليها واستخدامها، ويُمكن تقاسمها مع جميع الموظفين من خلال الندوات واللقاءات. 

أهميّة إدارة المعرفة:

في الوقت الراهن، هناك توجهٌ واضح من الجميع نحو تفهّم دور المعرفة في نجاح الأعمال وتطور المجتمعات، ونحو كيفية استثمار المعرفة في تحقيق التقدم التنافسي، على مستوى الأفراد، والمجموعات، والمؤسَّسات، والمجتمعات. 

ومن المؤكد أنَّ هناك شعوراً متنامياً يتمحور حول مدى أهميتها، وضرورة الاستفادة القصوى من استخدامها في بما يُحقق تطور المجتمع في جميع المجالات. 

إنَّ ظهور إدارة المعرفة وأهميتها يعود إلى أهم ثلاثة تحدّيات تواجه إدارة الأعمال اليوم، وهي:

  1.  كيفية اقتفاء أثر الزبائن وخدمة احتياجاتهم عبر شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت)، والتجارة الإلكترونية.
  2.  الكيفية المثلى لاستخدام تكنولوجيا المعلومات، وحالياً الذكاء الاصطناعي في الحصول على حصة ومكانة في سوق المنافسة.
  3.  الآلية التي تُمكّن المنظَّمة أو المؤسَّسة من إعادة ترتيب أفكار العاملين وخبراتهم المتراكمة، من خلال تأسيس مفهوم التعلّم التنظيمي (Organizational Learning) في تعميق وبناء القيم المُثلى.

وبناءً على ذلك، فإنَّ الدور الذي تقوم به إدارة المعرفة من خلال عملياتها وممارساتها يُحقّق نتائج رائعة في السياق التنظيمي، إذ يتم بموجبه إغناء العمل وتعزيز الإنتاجية، والأهم من كل هذه القيمة المضافة المتحققة في المستويات المختلفة بالإضافة إلى إيجاد القيمة لأصحاب المصالح (Stakeholders) من خلال عملية اكتساب وتخزين واستخدام المعرفة، وبالتالي تحمي المنظمة حصتها السوقية، وتبني فرص المشاركة المستقبلية، وتُبقيها في مقدمة المنافسين.

وإنَّ أهمية إدارة المعرفة تكمن في كونها مؤشراً على طريقة شاملة وواضحة لفهم مبادرات إدارة المعرفة في إزالة القيود، وإعادة الهيكلة التي تُساعد في التطوير والتغيير لمواكبة متطلبات البيئة الاقتصادية، وتزيد من عوائد الشركة، ورضا العاملين وولائهم، وتُحسّن من الموقف التنافسي من خلال التركيز على الموجودات غير الملموسة التي يصعب قياسها وتظهر نتائجها على المدى الطويل، لذلك تّعدّ إدارة المعرفة أمراً حاسماً وحيوياً في عصر المعلوماتية أكثر من عصر الصناعة.

عناصر إدارة المعرفة:

المعرفة نتاج لعناصر متعدِّدة، من أهمها:

  1. المعلومات.
  2. البيانات.
  3. القدرات.
  4. الاتجاهات.

1 ـ المعلومات:

إنَّ المعلومات هي في حقيقة الأمر عبارة عن بيانات تمنح صفة المصداقية ويتم تقديمها لغرضٍ محدَّد. فالمعلومات يتم تطويرها وترقى لمكانة المعرفة عندما تستخدم للقيام أو لغرض المقارنة، وتقييم نتائج مسبقة ومحدَّدة، أو لغرض الاتصال، أو المشاركة في حوار أو نقاش. فالمعلومات هي بيانات توضّح في إطار ومحتوى واضح ومحدد وذلك لإمكانية استخدامها لاتخاذ قرار، ويمكن تقديم المعلومات في أشكال متعدِّدة ومنها الشكل الكتابي، أو صورة، أو محادثة مع طرف آخر.

2 ـ البيانات:

إنَّ البيانات مجموعة من الحقائق الموضوعية غير المترابطة يتم إبرازها وتقديمها دون أحكام أولية مسبقة. وتُصبح البيانات معلومات عندما يتم تصنيفها، تنقيحها، تحليلها ووضعها في إطار واضح ومفهوم للمتلقي.

3 ـ  القدرات:

المعرفة بجانب المعلومات تحتاج لقدرة على صنع معلومات من البيانات التي يتم الحصول عليها لتحويلها إلى معلومات يمكن استخدامها والاستفادة منها. وقد منح الله بعض الأفراد القدرة على التفكير بطريقة إبداعية والقدرة على تحليل وتفسير المعلومات ومن ثم التصرف بناءا على ما يتوفر من معلومات. إذا إذ لم يتوافر لدى الأفراد القدرات والكفاءات الأساسية للتعامل مع المعلومات عندئذٍ نستطيع القول إنَّ أحد المحاور الأساسية للمعرفة مفقودة.

  1. الاتجاهات:

فوق كل هذا وذاك، المعرفة وثيقة الصلة بالاتجاهات. وفي حقيقة الأمر فالاتجاهات هي التي تدفع الأفراد للرغبة في التفكير والتحليل والتصرف. لذا، يشكل عنصر الاتجاهات عنصراً أساسياً لإدارة المعرفة وذلك من خلال حفز فضول الأفراد، وإيجاد الرغبة وتحفيزهم للإبداع. 

خارطة المعرفة Knowledge Map:

تعني خارطة المعرفة العرض المرئي للمعلومات التي يتم الحصول والاستيلاء عليها، وكذلك العلاقات التي تُمكّن من الاتصال والتواصل المؤثر والكفء، ومن ثم التعلم المعرفي من قِبل الأفراد الملاحظين لخارطة المعرفة، مع خلفياتها المختلفة، وبمستويات متعددة من التفصيلات.

وتتضمّن الخارطة عادةً بعض النصوص والسرد القصصي، والرسومات، والنماذج، والأرقام. كذلك فإنَّ الخرائط يُمكن أنْ تكون كروابط بموارد معرفية تفصيلية أخرى.

وعلى أساس ما تقدم، فإنَّ خارطة المعرفة هي معالجات وإجراءات لمواد ترافق معلومات ومعارف أخرى، ويُفضّل أنْ تكون مرسومةً أو مصورةً مرئية، بطريقة تمثّل معلومات ومعارف مُضافة.

وقد كان المتعارف عليه سابقاً بأنَّ معارف الخرائط في المنظَّمات والأعمال هي ثلاثة أنواع:

  1. مواد معرفية خرائطية موثقة Map documented knowledge items  تُمثل مواقع، مثل الأقسام، وقواعد البيانات، وما شابه ذلك.
  2.  خرائط للأفراد والمجموعات في مواقع عمل خبرتهم المحدَّدة.
  3.  خرائط لدروس مقتبسة ومكتسبة منسوبة إلى تقاريرها وحكاياتها الأصلية المستلة منها.

وعلى هذا الأساس فإنَّ خارطة المعرفة تكون قد اتجهت إلى:

  •  المعرفة المُعلنة The explicit knowledge، التي تعني عادةً ماذا؟ The what، وتكون متاحةً للمنظمة.
  •  الخبرة المحدَّدة The specific expertise، التي تعني من؟ The who، أي من هم داخل المنظمة، أو ضمن منظمات أخرى.
  •  مواقع لحكايات أو نوادر يُمكن أنْ تُساعد القارئ في الحصول على فهم للتجارب والممارسات الماضية.

لهذا فهي تشتمل على تساؤلات: كيف، وأين، ولماذا؟ وقد تمّ حديثاً تقديم مقترحات باتجاه دمج هذه الأنواع المختلفة من خرائط المعرفة بخارطة مركبة واحدة، يُمكن أنْ تُمثل وتشير إلى كل المفردات والتوجهات الثلاثة المذكورة.

ونخلص إلى أنَّ خارطة المعرفة في المنظمة تعكس البنية الأساسية للمبادرات الإدارية للمعرفة.

المراجع:

  • كتاب المدخل إلى إدارة المعرفة (العلي، قنديلجي، العمري) إصدار دار المسيرة للنشر والتوزيع والطباعة.
  • بحث في إدارة المعرفة (إبراهيم رمضان الديب).
  • إدارة المعرفة ودورها في إرساء مجتمع المعلومات (عماد الصباغ).
  • من كتاب Business Information Systems. 
  • سعد غالب التكريتي: نظم مساندة القرارات (عمان: دار المناهج للنشر والتوزيع). 
  • دراسات إدارية معاصرة – عبد الحميد عبد الفتاح المغربي، عبد العزيز علي عبد المنصف مرزوق. 
  • مقدمة إلى إدارة المعرفة – المهند السبيعي. 
  • مقدمة إلى المنظمة المعرفية – المهند السبيعي. 
  • دراسات إدارية معاصرة – عبد الحميد عبد الفتاح المغربي، عبد العزيز علي عبد المنصف مرزوق.