ديمومة المنشآت الخرسانية في سورية: إطار تصميمي قائم على الأداء وفق نموذج AOSD

بِقلم: عبد الرحمن شريف العمري

  • تتناول هذه الدراسة المختصرة ضرورة إرساء نظام مرجعي مكاني حديث في سوريا كمتطلب سابق لعمليات إعادة الإعمار الشاملة.

    تنطلق الدراسة من تحليل العيوب البنيوية في الشبكات الكلاسيكية وتطرح نموذجاً متكاملاً يعتمد على تقنيات الرصد المستمر

    (CORS) وهو اختصار لـ (Continuous Operating Reference Stations).

منَ المقاومةِ الميكانيكيّةِ إلى ديمومةِ الأداءِ

تُعدُّ الخرسانةُ المادّةَ الإنشائيّةَ الأكثرَ استخدامًا على المستويينِ العالميِّ وَالسوري، نظرًا لما تتمتّعُ بهِ منْ مرونةٍ تطبيقيةٍ وتوازنٍ نسبيٍّ بينَ الأداءِ والتكلفةِ وسهولةِ التنفيذ. ومعَ ذلك، فإنَّ تقييمَ جودتِها ما يزالُ في كثيرٍ منَ الممارساتِ الهندسيّةِ يقتصرُ على مقاومةِ الضّغطِ بوصفِها المؤشّرَ الأساسيّ، رغمَ أنَّ الأداءَ طويلِ الأمدِ يرتبطُ بعواملَ أكثرَ تعقيداً، أبرزُها خصائصُ النقلِ داخلَ البنيةِ الخرسانيّةِ مثلُ النفاذيّةِ، واتّصالِ المسامات، إضافةً إلى تطوّرِ التشقّقات التي تسهمُ في تكوينِ مساراتٍ مفضّلةٍ لانتقالِ العواملِ العدوانيّة.

وقد أسهمَ هذا الاختزالُ في ظهورِ فجوةٍ واضحةٍ بينَ الأداءِ المتوقّعِ والأداءِ الفعليّ، تجلّتْ في ظواهرِ التدهورِ المبكّرِ، مثلِ التشققاتِ غيرِ المتوقّعة، وتآكلِ حديدِ التسليحِ نتيجةَ فقدانِ طبقةِ التخميلِ الواقيةِ وتقشّرِ الغطاءِ الخرسانيِّ.

الشكل (1) مظاهر تدهور الغطاء الخرساني وتقشّره نتيجة تآكل حديد التسليح وفقدان الحماية الداخلية للخرسانة

 كما يتّضحُ في الشكلِ (1)، فإنّ تدهورَ الغطاءِ الخرسانيّ الناتجِ عنْ تآكلِ حديدِ التسليحِ يُعدُّ منْ أبرزِ المظاهرِ العمليّةِ لفشلِ متطلّباتِ الدّيمومةِ في المُنشآتِ الخرسانيّة. ويزدادُ هذا التدهورُ حدةً عندما لا تُؤخذُ ظروفُ التعرّضِ البيئيّ بعينِ الاعتبارِ بوصفِها العاملِ الحاكمِ في السلوكِ طويلِ الأمدِ للخرسانة. وعليه، لمْ يعدِ الانتقالُ من التصميمِ القائمِ على المقاومةِ إلى التصميمِ القائمِ على الأداءِ خياراً هندسيّاً بل أصبحَ ضرورةً لضمانِ ديمومةِ المنشآتِ وتحقيقِ عمرِ الخدمةِ المُستهدَف.

التعاريف والمصطلحات

فيما يلي عرضٌ لأهمِّ الاختصاراتِ والمُصطلحاتِ الرئيسيّةِ المُستخدمةِ في هذهِ الدراسة:

الموادِّ الإسمنتيّةِ التكميليّةِ: Supplementary Cementitious Materials (SCMs).

نسبة الماء إلى المادة الرابطة: Water to Binder Ratio (w/b).

تفاعل القلويات مع السيليكا: Alkali–Silica Reaction (ASR).

تشكّلُ الإترنجايت المتأخر: Delayed Ettringite Formation (DEF).

الكود النموذجي للاتحاد الدولي للخرسانة الإنشائية: fib Model Code.

الديمومةِ الإنشائيّةِ الموجَّهةِ بِالتطبيق: Application‑Oriented Structural Durability (AOSD) وهو مصطلح مقترح ضمن هذه الدراسة.

أنظمةُ التعرّضِ البيئيّ في سوريّة: Syrian Exposure Classes (SEC) وهو مصطلح مقترح ضمن هذه الدراسة.

الخصوصيّةُ البيئيّةُ وآلياتُ التدهورِ في سوريّة

تتميزُ سوريّة بتنوعٍ بيئيّ وجيومورفولوجي واسع، يمتدُّ منْ بيئاتٍ ساحليّةٍ رطبةٍ ذاتِ محتوى عالٍ من الكلوريدات، إلى بيئاتٍ داخليّةٍ جافّة، وصولاً إلى الباديةِ والمناطقِ الشرقيّةِ الغنيّةِ بالكبريتات، إضافةً إلى البيئاتِ الجبليّةِ والصناعيّةِ والانتقاليّة.

ضمنَ هذا التنوّع، تخضعُ الخرسانةُ لمنظومةٍ متداخلةٍ منْ آليّاتِ التدهورِ الفيزيائيّةِ والكيميائيّةِ التي قدْ تعملُ منفردةً أو مجتمعة. وبناءً عليه، فإنّ استخدامَ مقارباتِ تصميمٍ موحّدةٍ غيرِ مبنيّةٍ على فئاتِ التعرّضِ البيئيّ يؤدّي إلى قصورٍ واضحٍ في تحقيقِ الديمومةِ المطلوبة.  

ولتجاوزِ هذا القصورِ تبرزُ الحاجةُ إلى فهمٍ ممنهجٍ لآليّاتِ التدهورِ الحاكمة، وتحليلها ضمنَ إطارٍ بيئيّ واقعيّ يعكسُ الخصوصيّة السوريّة، والانتقالِ منْ مقاربةٍ معياريّةٍ تقليديّةٍ إلى مقاربةٍ تصميميّةٍ قائمةٍ على الأداء، تدمجُ متطلباتِ الديمومةِ ضمنَ عمليّةِ التصميمِ منذُ مراحلها الأولى وبصورةٍ منهجيّة.

في هذا الإطار، تسعى هذهِ الدراسةُ إلى:

  • اقتراحِ تصنيفٍ لأنظمةِ التعرّضِ البيئيّ في سوريّة SEC وربطِها بآلياتِ التدهورِ المسيطرةِ في الخرسانة.
  • تحليلِ هذهِ الآليّاتِ ضمنَ نطاقاتٍ بيئيّةٍ سوريّةٍ مُقترحة، بما يتيحُ فهماً أدقّ لطبيعةِ المخاطرِ وآليّاتِ تطوّرها، ويدعمُ توظيفَ هذا الفهمِ في التصميمِ القائمِ على الأداء.
  • اقتراحِ إطارٍ مفاهيميّ تطبيقيّ يتمثّلُ بنموذجِ AOSD الديمومةِ الإنشائيّةِ الموجَّهةِ بالتطبيق، الذي يربطُ ديناميكيّاً بينِ شروطِ التعرّضِ وآليّاتِ التدهورِ ومتطلّباتِ الأداءِ القابلةِ للقياس، بما يدعمُ تطويرَ خلطاتٍ خرسانيّةٍ ملائمةٍ للواقعِ السوريّ واحتياجاتِ مرحلةِ إعادةِ الإعمار.

تُختتمُ الدراسةُ بعرضِ الرؤيةِ المستقبليّةِ لتطويرِ النموذجِ المقترح، مع صياغةِ توصياتٍ عمليّةٍ موجّهةٍ للمهندسِ المصمّمِ والجهاتِ المعنيّة، بهدفِ تحسينِ ديمومةِ المنشآتِ الخرسانيّةِ وتعزيزِ استدامتِها طوالَ دورةِ حياتِها.

آليّاتُ التدهورِ الحاكمةُ في البيئةِ السوريّة {1}و{2}

تمثّلُ آليّاتُ التدهورِ العاملَ الحاكمَ في سلوكِ الخرسانةِ على المدى الطويل، إذْ إنَّ البيئةَ المحيطةَ بالمنشأِ لا تؤثّرُ بصورةٍ مباشرةٍ في الخرسانة، بلْ منْ خلالِ سلسلةٍ من العمليّاتِ الفيزيائيّةِ والكيميائيّةِ التي تتطوّرُ داخلَ بنيتِها المساميّة، وتتحكّمُ في معدّلِ تراجعِ أدائِها الوظيفيّ والإنشائي. وَبذلك، لا تُعدُّ ظروفُ التعرّضِ بحدِّ ذاتِها السببَ المباشرَ في التدهور، وإنما الإطارَ الذي يفعّل آليّاتٍ معيّنةٍ أو يسرّعُ تطوّرها.

كما أنّ آليّاتِ التدهورِ لا تتطوّرُ بِصورةٍ آنيّة، وإنّما تمرُّ غالباً بمرحلتين أساسيتين وفقاً لنموذج توتّي (Tuutti’s Model) الشهير:

  • مرحلةُ البدءِ المرتبطةِ بانتقالِ العواملِ العدوانيّةِ داخلَ البنيةِ المساميّةِ للخرسانةِ حتّى الوصولِ إلى شروطِ إزالةِ طبقةِ التخميلِ الواقيةِ عنْ حديدِ التسليحِ دونَ حدوثِ ضررٍ مرئي.
  • مرحلةُ الانتشارِ الّتي تتطوّرُ خلالَها التفاعلاتُ الكيميائيّةُ والأضرارُ الميكانيكيّةُ بصورةٍ مُتسارعة. لِذلك، فإنّ خصائصَ النقلِ داخلَ الخرسانة، وفي مقدّمتِها نفاذيّةُ الخرسانةِ واتصالُ المساماتِ والتشقّقات، تمثّلُ العاملَ الحاكمَ في التحكّمِ بمعدّلِ تطوّرِ التدهورِ والعمرِ الخدميّ للمنشآتِ الخرسانيّة.

وتتفاعلُ هذهِ الآليّاتُ ضمنَ منظومةٍ مترابطةٍ منِ العمليّاتِ الفيزيائيّةِ والكيميائيّةِ كما يوضّحه الشكل (2)، حيثُ يؤدّي تطوّرُ إحدى الظواهرِ إلى تسريعِ أو تحفيزِ آليّاتِ تدهورٍ أخرى ضمنَ سلسلةٍ متشابكة. ولا يمكنُ النظر إلى آليّاتِ التدهورِ بمعزلٍ عنْ خصائصِ النقلِ داخلَ المصفوفةِ الخرسانيّة؛ إذْ تمثّلُ نفاذيّةُ الخرسانةِ وتكوّنُ التشقّقات المساراتِ الرئيسيّةَ لانتقالِ الرطوبةِ والغازاتِ والأيوناتِ العدوانيّة.

ويسهمُ تدهورُ البنيةِ المجهريّةِ وتشكّلُ التشققاتِ المبكّرةِ في تسريعِ تغلغلِ الكلوريداتِ وثاني أكسيدِ الكربونِ والكبريتات، ممّا يحفّزُ بدورهِ مختلفَ آليّاتِ التدهورِ الكيميائيّ والفيزيائيّ. ولا ترتبطُ نفاذيّةُ الخرسانةِ بحجمِ المساميّةِ فقط، بلْ أيضاً بدرجةِ اتصالِ المساماتِ واستمراريّةِ الشبكةِ الشعريّةِ داخلَ البنيةِ الخرسانيّة، إضافةً إلى الحالةِ الرطوبيّةِ للخرسانةِ وما يُرافقها من دوراتِ ترطيبٍ وتجفيفٍ متكرّرةٍ تؤثرُ بصورةٍ مباشرةٍ في معدلاتِ

الشكل (2) الترابط بين خصائص النقل داخل الخرسانة وآليات التدهور الفيزيائية والكيميائية المؤثرة في ديمومة المنشآت الخرسانية

النقلِ وتغلغلِ الأيونات. وعليه، فإنّ التحكّمَ بخصائصِ النقلِ داخلَ الخرسانةِ وضمانَ جودةِ التنفيذِ والمعالجةَ يُعدّ حجرَ الأساسِ في الحدّ من تغلغلِ العواملِ العدوانيّةِ وتحقيقِ الديمومةِ المُستهدفة.

وفي البيئةِ السوريّة، وبفعلِ التنوّعِ المناخيّ والجيومورفولوجي، تبرزُ مجموعةٌ من آليّاتِ التدهورِ الحاكمةِ التي تشكّلُ الخطرَ الرئيسيّ على ديمومةِ المنشآتِ الخرسانيّة، ويمكنُ تصنيفها وتحليلها على النحوِ الآتي:

  1. الكَربنةُ (Carbonation) {3}

تنشأُ الكَربنةُ عنْ تفاعلِ ثاني أكسيد الكربون (CO₂) المُتغلغلِ منَ الجوّ مَع هيدروكسيدِ الكالسيوم في عجينةِ الإسمنتِ المُتصلّبة، ممّا يؤدّي إلى انخفاضِ قلويّةِ الخرسانةِ وفقدانِ الوسطِ القلويّ المسؤولِ عن حمايةِ حديدِ التسليح. ومع وصولِ جبهةِ الكربنةِ إلى مستوى التسليحِ تبدأُ عمليّةُ التآكل، والتي تترافقُ غالباً مع تشققاتٍ طوليّةٍ موازيّةٍ لمواضعِ القضبان، يعقبها تقشّر الغطاءِ الخرسانيِ وتراجعُ في أداءِ العنصرِ الإنشائي.

  1. 2. تغلغلُ الكلوريدات (Chloride Ingress) {4}

يُعدّ تغلغلُ الكلوريداتِ من أخطرِ آليّاتِ التدهورِ في الخرسانةِ المسلّحة، لا سيّما في البيئاتِ الساحليّةِ والرطبة. حيثُ تتغلغلُ أيوناتِ الكلوريد عبرَ الغطاءِ الخرسانيّ وتصلُ إلى التسليحِ مسبّبةً تدميرَ طبقةِ التخميلِ الواقية، وبدءَ تآكلٍ موضعيّ سريعٍ. ويَظهر هذا التدهورُ على شكلِ بقعِ صدأٍ وتشقّقاتٍ وانفصالٍ تدريجيّ للغطاءِ الخرساني.

  1. هجومُ الكبريتات (Sulfate Attack) وتشكّلُ الإترنجايت المتأخر {5}و{6}

ينشأُ هجومُ الكبريتاتِ نتيجةَ تفاعلِ أيوناتِ الكبريتاتِ سواءً الوافدةِ منَ التربةِ والمياهِ الجوفيّة، أو الناتجةِ عنْ تفاعلاتٍ داخليةٍ مَع مكوّناتِ عجينةِ الإسمنتِ المتصلّبة. يؤدّي هذا التفاعلُ إلى تولّدِ مركّباتٍ تمدّديّةٍ وعلى رأسِها الجبس والإترنجايت، وتولّدُ هذهِ المركّباتُ ضغوطاً داخليّةٍ تُسبّبُ تشقّقاتٍ شبكيةٍ (Map Cracking) وانتفاخاتٍ سطحيّة. وتدهوراً تدريجيّاً في البنيةِ الخرسانيّة.

  1. تفاعلُ القلوياتِ مَع السيليكا (ASR) {7}

يحدثُ هذا التفاعلُ عندَ وجودِ مكوّناتٍ سيليسيّةٍ تفاعليّةٍ في الركامِ تتفاعلُ مَع قلويّةِ عجينةِ الإسمنتِ المتصلّبة، ممّا يؤدّي إلى تشكّلِ هلامٍ متمدّدٍ يمتصُّ الماءَ ويُسبّبُ تشقّقاتٍ شبكيّةٍ وانتفاخاتٍ موضعيّة. وترتبطُ هذهِ الآليّةُ أساساً بخصائصِ الموادِّ المُستخدمَة، إلّا أنّ تأثيرَها يزدادُ في البيئاتِ الرطبَة.

  1. دورُ التجمّدِ والذوبانِ (Freeze–Thaw Damage) {8}

ينشأُ هذا النوعُ منَ التدهورِ نتيجةَ تجمّدِ الماءِ داخلَ المساماتِ الشعريّةِ للخرسانة، ممّا يولدُ ضغوطاً داخليّةٍ متكرّرةٍ تُسبّبُ تشقّقاتٍ دقيقةٍ وتقشّراً سطحيّاً تدريجيّاً. وتزدادُ خطورةُ هذهِ الآليّةِ في الخرسانةِ مرتفعةِ النفاذيّةِ أوْ عاليةِ الإشباع.

  1. الظواهرُ الفيزيائيّةُ والتقلّصُ كعواملٍ مؤثّرةٍ في الديمومة {9}

تلعبُ الظواهرُ الفيزيائيّةُ دوراً مهمّاً في التأثيرِ على ديمومةِ الخرسانة، وتشملُ هذهِ الظواهرُ الإجهاداتِ الحراريةِ وأنماطَ التقلّصِ المختلفَة، كالتقلّصِ اللّدنِ والتقلّصِ الجافِّ، إضافةً إلى التقلّصِ الذاتيّ.

 وتؤدّي الفروقاتُ الحراريّةُ وفقدانُ الرطوبةِ السريعُ إلى نشوءِ إجهاداتٍ وتشقّقاتٍ مبكّرةٍ تسهّلُ تغلغلَ العواملِ العدوانيةِ وتسرعُ آليّاتِ التدهورِ اللاحقة.

أنظمةُ التعرّضِ البيئيّ في سوريّة (Syrian Exposure Classes – SEC) {10}و{11}

بعدَ تحليلِ آليّاتِ التدهورِ الحاكمةِ وتحديدِ العواملِ المؤثّرةِ في استجابةِ الخرسانَة، تبرزُ الحاجةُ إلى تبويبِ البيئاتِ السوريّةِ ضمنَ أنظمةِ تعرّضٍ مرجعيّة. يهدفُ هذا التصنيفُ إلى توصيفِ أنماطِ التعرّضِ البيئيّ وتحديدِ المخاطرِ الأكثرِ احتمالاً لكلّ نطاقٍ جغرافيّ، بِما يمثّلُ خطوةً تمهيديّةً تربطُ الواقعَ الجغرافيّ والجيومورفولوجي بآليّاتِ التدهورِ المسيطرة.

وتنسجمُ هذهِ المقاربةُ مَع التباينِ المناخيّ الواضحِ في سوريّة وفقَ تصنيفِ كوبن–غيغر للمناخِ

(Köppen–Geiger Climate Classification)، حيثُ يمكنُ تمييزَ نطاقاتٍ مناخيّةٍ رئيسيّةٍ تشملُ المناخَ المتوسطيّ الرطبِ نسبيّاً على الساحل، والمناخَ شبهِ الجافِّ في المناطقِ الداخليّة، والمناخَ الجافَّ في الباديةِ والمناطقِ الشرقيّة، وهيَ نطاقاتٌ تنعكسُ بصورةٍ مباشرةٍ على خصائصِ الرطوبةِ ودرجاتِ الحرارةِ ومعدّلاتِ التبخّر، وبالتالي على طبيعةِ آليّاتِ التدهورِ المسيطرةِ في الخرسانةِ وتطورّها الزمني.

وفي هذا الإطار، تُصنّفُ البيئاتُ السوريةُ ضمنَ سبعةِ أنظمةِ تعرّضٍ رئيسيّةٍ على النحوِ المُقترحِ في الجدولِ -1- الذي يبيّنُ الربطَ المنهجيّ بينَ أنظمةِ التعرّضِ البيئيّ في سوريّة (SEC) والآليّاتِ الحاكمةِ لتدهورِ الخرسانةِ ضمنَ كلِّ نظام، بوصفهِ إطاراً مرجعيّاً تمهيديّاً للعرضِ التحليليّ اللاحق.

وعلى سبيلِ المثالِ، تجدرُ الإشارةُ أنَّ الكربنةَ قدْ تحدثُ بدرجاتٍ متفاوتةٍ ضمنَ مختلفِ أنظمةِ التعرّضِ البيئيّ، إلّا أنّها تُعدّ الآليّةَ المسيطرةَ بصورةٍ خاصّةٍ في البيئاتِ الداخليّةِ الجافّة.

ولا تمثّلُ هذهِ الأنظمةُ حدوداً مناخيّةً صارمة، وإنّما نطاقاتِ تعرّضٍ مهيمنةٍ قَد تتداخلُ فيما بينَها تبعاً للظروفِ المحليّةِ وطبيعةِ المَنشأ. ويستندُ هذا التصنيفُ مِن الناحيةِ المفاهيميّةِ إلى فلسفةِ أنظمةِ التعرّضِ البيئيّ المعتمدةِ في المواصفاتِ الدوليّةِ مثل EN 206، مَع إعادةِ تكييفِها بما يتلاءمُ مَع الخصوصيّةِ المناخيّةِ والجيومورفولوجيّةِ للبيئةِ السوريّة. يمثّلُ هذا التصنيفُ إطارًا تحليليًّا أوليًّا يهدفُ إلى تنظيمِ البيئاتِ السوريّةِ لأغراضِ التصميمِ القائمِ على الأداء، ولا يشكّلُ مواصفةً وطنيّةً مُلزمة.

 

نظام التعرّض

البيئة النموذجيّة

نطاق التعرّض

آليّاتِ التدهور المسيطرة

SEC-1

البيئة الساحليّة

المناطق المطلّة على البحر

تغلغل الكلوريدات وتآكل حديد التسليح

SEC-2

البيئة الداخليّة الجافّة

مناطق الداخل السوري

الكربنة

SEC-3

بيئة البادية

المناطق الشرقيّة شبه الصحراويّة

هجوم الكبريتات والإجهادات الحراريّة

SEC-4

بيئة الجزيرة

منطقة الجزيرة السورية

الكبريتات والرطوبة المتغيّرة وتشكّل الإترنجايت

SEC-5

البيئة الجبليّة

مناطق المرتفعات الجبليّة

دورات التجمّد والذوبان والتشقّقات السطحيّة

SEC-6

البيئة الصناعيّة

مناطق النشاط الصناعي

الكربنة المتسارعة والهجوم الكيميائي

SEC-7

البيئات الانتقاليّة

المناطق المتداخلة

تداخل آليّات التدهور متعدّدة العوامل

الجدول -1- تصنيف البيئات السوريّة

تفسيرُ آليّاتِ التدهورِ ضمنَ البيئاتِ السوريّة

لا يقتصرُ تأثيرُ البيئةِ في تحديدِ نوعِ التدهورِ فَحسب، بلْ يمتدُّ ليؤثّرَ في سرعةِ تطوّرهِ وآليّةِ انتشارِه داخلَ الخرسانة، وهوَ ما يشكّلُ حجرَ الأساسِ في منهجيّةِ التصميمِ القائمِ على الأداء. ويمكنُ تفصيلُ عملِ هذهِ الآليّاتِ ضمنَ أنظمةِ التعرّضِ السوريّة (SEC) كَما يلي:

SEC‑1 (البيئةُ الساحليّة): تتميّزُ هذهِ البيئةُ بارتفاعِ الرطوبةِ الجويّةِ وتركيزِ الأملاحِ العالي، ولا سِيّما أيوناتِ الكلوريد (Cl)، حيثُ تتغلغلُ هذهِ الأيوناتُ عبرَ المسامِ والتشقّقات. وبمجردِ وصولِها إلى التسليح، يتمُّ تدميرُ طبقةِ التخميلِ الواقيَة، ليبدأَ تآكلٌ موضعيٍّ سريعُ التطوّر. ممّا يؤدّي إلى ظهورِ تشقّقاتٍ طوليّةٍ وتقشّرٍ مبكّرٍ للغطاءِ الخرساني.

SEC‑2 (البيئةُ الداخليّةُ الجافّة): تتّسمُ هذهِ البيئةُ بانخفاضِ الرطوبةِ النسبيّة، ما يُسهّل انتقالَ وتغلغلَ ثاني أكسيدِ الكربونِ داخلَ الشبكةِ المساميّةِ المتّصلةِ للخرسانة، ممّا يخفّضُ قلويةَ الخرسانةِ فتتآكلُ ويفقدُ التسليحُ حمايتَه الطبيعيّة.

SEC‑3 (بيئةُ البادية): تتّصفُ هذهِ البيئةُ بانتشارِ التربِ الغنيةِ بالكبريتات، تزامناً مَع درجاتِ حرارةٍ مرتفعةٍ وتبايناتٍ حراريّةٍ يوميّةٍ كبيرة. الأمرُ الذي يسهّلُ هجومَ الكبريتاتِ وتشكيلَ مركّباتٍ تمدّديّةٍ تسرّعُ تشقّقَ البنيةِ وتفكّكَها بتأثيرٍ محفّزٍ مِن الحرارة. ويُعدّ هجومَ الكبريتاتِ الآليّةَ الكيميائيّةَ المسيطرةَ في هذا النظام، في حين تلعبُ الحرارةُ العاليةُ دوراً مسرِّعاً لتفاعلاتِ التدهور. ويؤدّي ذلكَ إلى تشكّلِ مركّباتٍ تمدّديّةٍ داخلَ المصفوفةِ الخرسانيّة، تُضعفُ البنيةَ الداخليةَ وتسرّعُ عملياتِ التشقّقِ والتفكّكِ التدريجي.

SEC‑4 (بيئةُ الجزيرة): تتميّزُ بتداخلِ عدةِ عواملٍ بيئيّةٍ عدوانيّة، من بينِها وجودُ الأملاحِ في التربةِ والمياهِ الجوفيّة، إلى جانبِ دوراتٍ متعاقبةٍ من الرطوبةِ والجفاف. ويؤدّي هذا التناوبُ إلى تفعيلِ آليّاتِ تدهورٍ متداخلةٍ ومترابطَة، تشملُ هجومَ الكبريتاتِ والكلوريداتِ بالتزامنِ مَع تأثيراتٍ فيزيائيّةٍ ناتجةٍ عنِ التمدّدِ والانكِماش، ما يجعلُ سلوكَ الخرسانةِ أكثرَ تعقيداً وحساسيّةً لخصائصِ البنيةِ المساميّة.

SEC‑5 (البيئةُ الجبليّة): تخضعُ المنشآتُ الخرسانيّة في هذا النظامِ إلى دوراتٍ متكررةٍ من التجمّدِ والذوبان، والتي تُعدّ الآليّةَ الفيزيائيّةَ الحاكمةَ للتدهور. ويؤدّي تمدّدُ الماءِ داخلَ المسامِ عندَ التجمّدِ إلى نشوءِ ضغوطٍ داخليّةٍ دقيقةٍ تتراكمُ مَع الزمَن، مسبّبةً تشقّقاتٍ بنيويّةٍ وتقشّراً سطحيّاً، وتراجُعاً تدريجيّاً في الخواصّ الميكانيكيّةِ للخرسانَة.

SEC‑6 (البيئةُ الصناعيّة): تتعرّضُ الخرسانةُ في هذا النظامِ إلى ملوثاتٍ غازيّةٍ عدوانيّةٍ ناتجةٍ عنِ النشاطِ الصناعي، مثل ثاني أكسيدِ الكبريتِ وأكاسيدِ النيتروجين وثاني أكسيدِ الكربون. وبوجودِ الرطوبةِ تؤدّي هذهِ الغازاتُ إلى ذوبانِها وتكوّنِ بيئاتٍ سطحيّةٍ ذاتِ طابعٍ حمضيّ ضعيفٍ نتيجةَ ذوبانِ الغازاتِ العدوانيّة. ويُسهمُ ذلكَ في تدهورٍ كيميائيّ سطحيّ لعجينةِ الإسمنتِ المتصلّبة. إضافةً إلى تسارعِ عمليّةِ الكربنةِ نتيجةَ زيادةِ نفاذيّةِ الغطاءِ الخرسانيّ وتغيّرِ خصائصِهِ الوقائيّة. كما تُسهم هذهِ الظروفُ في تنشيطِ تفاعلاتٍ كيميائيّةٍ سطحيّةٍ خفيفةٍ تُسرّع من تدهورِ البنيةِ السطحيّةِ وتزيدُ مِن نفاذيّةِ الخرسانة، ممّا ينعكسُ سلباً على متانتِها طويلةِ الأمد.

SEC‑7 (البيئاتُ الانتقاليّة): تتداخلُ في هذا النظامِ أكثرُ من سمَةٍ بيئيّة، كما تشهدُ شروطُ التعرّضِ تحوّلاً ديناميكيّاً مَع الزمن. وفي هذهِ البيئات، لا تسودُ آليّةُ تدهورٍ واحدة، بلْ يظهرُ نظامٌ تفاعليّ مركّبٌ تتغيّرُ فيهِ الآليّاتُ المسيطرةُ بحسبِ شدّةِ التعرُّض، وتطوّرِ التشقّقات، وتغيّر خصائصِ النقلِ داخلَ الخرسانة.

يبيّنُ التحليلُ السابقُ أنّ آليّاتَ التدهورِ في الخرسانةِ لا تعملُ بمعزلٍ عنِ البيئةِ المحيطَة، بلْ تتحدّدُ طبيعتها وحدّتها وفقَ نظامِ التعرُّضِ السائِد. وعلى الرغمِ منْ أنّ معظمَ هذهِ الآليّاتِ قدْ تظهرُ بدرجاتٍ متفاوتةٍ في أكثرِ منْ بيئَة، إلّا أنّ كلّ نظامِ تعرّضٍ يفعّلُ آليّةً أو مجموعةَ آليّاتٍ مهيمنةً تتحكّمُ في سلوكِ الخرسانةِ وأدائها على المدى الطويل.

ويعكسُ هذا التباينُ البيئيُّ بوضوحٍ أنّ الاعتمادَ على مقاومةِ الضغطِ وحدهُ لمْ يعدْ كافياً لضمانِ ديمومةِ المنشآت؛ إذْ إنّ لكلّ بيئةٍ مخاطرَ مسيطرةً ومتطلّباتِ أداءٍ تخصّصيّةٍ تتجاوزُ المؤشراتِ الميكانيكيّةَ التقليديّة. ومنْ هذا المُنطلق، لا يُنظرُ إلى تصنيفِ أنظمةِ التعرّضِ (SEC) بوصفِه حصرًا صارمًا، بلْ كإطارٍ تحليليّ يحدّدُ المخاطرَ المحتملةَ ويمهّدُ للانتقالِ إلى مقاربةٍ تصميميّةٍ قائمةٍ على الأداءِ تربطُ بينَ ظروفِ التعرّضِ والسلوكِ المتوقّع، وهوَ الجوهرُ الذي يسعى نموذجُ AOSD إلى تحقيقِه.

يُترجمُ نموذجُ AOSD أنظمةَ التعرّضِ إلى متغيّراتٍ تصميميّةٍ قابلةٍ للقياس، حيثُ يتمّ الحدّ من الكربنةِ عبرَ تقليلِ النفاذيّةِ وتحسينِ جودةِ الغطاءِ الخرساني، بينَما يتمّ التحكّمُ في تغلغلِ الكلوريداتِ منْ خلالِ خفضِ معاملِ الانتشار، في حينِ تعزّزُ مقاومةُ التجمّدِ والذوبانِ من خلالِ تطويرِ نظامِ الفراغاتِ الهوائيّةِ الدقيقةِ داخلَ الخرسانةِ باستخدامِ إضافاتٍ حابسةٍ للهواء.

الإطارُ المفاهيميّ لنموذجِ AOSD وتطويرهِ المستقبليّ {12}

وعلى الرغم من أن النماذج الحديثة لتقدير العمر الخدمي، كما هو الحال في إطار fib Model Code،تعتمد على الربط بين أنظمة التعرض ومقاومة الخرسانة ومؤشرات الأداء الكمية، فإن تطبيق هذه المقاربات يتطلب توافر بيانات تفصيلية وإجراءات نمذجة قد لا تكون متاحة دائماً في الواقع الهندسي المحلي. كما أن الممارسة التصميمية التقليدية ما تزال تعتمد بدرجة كبيرة على مقاومة الضغط بوصفها المؤشر الرئيس لجودة الخرسانة، دون ترجمة منهجية لظروف التعرض البيئي إلى متطلبات أداء تصميمية قابلة للقياس. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إطار مفاهيمي مبسط يترجم توصيف التعرض البيئي إلى متطلبات أداء قابلة للتطبيق، مع المحافظة على فلسفة التصميم المعتمد على الديمومة والعمر الخدمي..

انطلاقاً منْ أنّ البيئاتِ الخرسانيّةَ في سوريّة تمثّلُ طيفاً متدرّجاً من أنظمةِ التعرّضِ تتداخلُ ضمنَه آليّاتُ التدهور، يُقترحُ نموذجُ AOSD (Application-Oriented Structural Durability) بوصفه إطاراً تصميميّاً قائماً على الأداءِ يهدفُ إلى تحويلِ البيئةِ من عاملٍ خارجيّ وصفيّ إلى متغيّرٍ تصميميّ يُدمَج في عمليّةِ التصميم. وبدلاً من التركيزِ التقليديّ على مقاومةِ الضغط، يعيدُ هذا النموذجُ تعريفَ عمليةِ التصميمِ لتبدأَ من تحديدِ آليّةِ التدهورِ الحاكمةِ وصولاً إلى صياغةِ متطلّباتِ أداءٍ تضمنُ تحقيقَ عمرِ الخدمةِ المُستهدَف.

وَلترجمةِ هذا الإطارِ إلى ممارسةٍ هندسيّة، يَعتمدُ الإطارُ المفاهيميّ المُقترحُ لنموذجِ AOSD على الخطواتِ التالية: (1) تحديدِ نظامِ التعرّضِ البيئيّ كتوصيفٍ متكاملٍ للعواملِ المُحيطة، (2) تحديدِ آليّةِ التدهورِ الحاكمةِ (مثلِ الكربنةِ أو الكلوريدات)، (3) تقييمِ شدةِ التعرّضِ البيئيّ، (4) تحويلِ الآليّةِ إلى متطلباتِ أداءٍ قابلةٍ للقياسِ مثلِ حدودِ النفاذيّةِ أو معاملِ الانتشار، (5) تصميمِ الخلطةِ الخرسانيّةِ المُثلى عبرَ ضبطِ نسبةِ الماءِ إلى المادّةِ الرابطةِ (w/b)، واختيارِ نوعِ الإسمنتِ والملدّناتِ المُناسبة، واستخدامِ الموادِّ الإسمنتيّةِ التكميليّةِ (SCMs)

الشكل (3) المسار المفاهيمي لنموذج AOSD

وتحسينِ التدرُّجِ الحبيبيّ وكثافةِ التعبئَة، (6) التحقّقِ منَ الأداءِ المتوقّعِ عبرَ الاختباراتِ المخبريّةِ وتقديرِ عمرِ الخدمَة، (7) ضبطِ التصميمِ بالتغذيةِ الراجعةِ لضمانِ التوازنِ بينَ الأداءِ والديمومةِ والكلفة.

وَبذلك، يمثّلُ نموذجُ AOSD انتقالاً منَ التصميمِ القائمِ على المقاومةِ إلى منظومةٍ متكاملةٍ يكونُ فيها عمرُ الخدمةِ هدفاً تصميميّاً أساسيّاً بدلاً منْ كونِه نتيجةً ثانويّة.

ويبيّنُ الشكلُ (3) المسارَ المنهجيّ المُقترحَ لنموذجِ AOSD بدءاً منْ توصيفِ نظامِ التعرّضِ البيئيّ، مروراً بتحديدِ آليّاتِ التدهورِ وَمتطلّباتِ الأداء، وصولاً إلى تصميمِ خلطةٍ خرسانيّةٍ تحقّقُ عمرَ الخدمةِ المُستهدف.

وفي سياقِ التطويرِ المستقبليّ، يمكنُ الارتقاءُ بالنموذجِ إلى AOSD 1.0 من خلالِ إدماجِ مؤشّراتِ أداءٍ كميّةٍ قابلةٍ للقياسِ والنمذجةِ الرياضيّةِ ضمنَ عمليّةِ التصميم، بما يعزّزُ طابعهُ التنبؤيّ والديناميكيّ. ومنْ أبرزِ هذهِ المؤشّرات: خصائصُ النقلِ داخلَ الخرسانةِ مثلُ نفاذيّةِ الخرسانة، ومعاملِ انتشارِ الكلوريداتِ لتقديرِ زمنِ بدءِ التآكل، وعمقِ الكربنةِ المتوقّعِ كمعيارٍ زمنيّ لكفايةِ الغطاءِ الخرسانيّ، إضافةً إلى قابليةِ التفاعلِ الداخليّ لمكوّناتِ الموادّ لتقييمِ مخاطرِ التفاعلاتِ الكيميائيّةِ الداخليّة، وعمرِ الخدمةِ المُستهدفِ بوصفهِ متغيّراً تصميميّاً صريحاً يُحَدّد وفقَ أهميّةِ المنشأ.

ومنْ شأن هذا التطوير أن يدعم الانتقال من إطار تصميم إرشادي قائم على الربط السببي بين البيئة وآليّات التدهور، إلى أداة تصميم هندسيّة كميّة أكثر دقة، تسمح بالمقارنة بين بدائل الخلطات وتقييم أدائها الزمني المتوقع. وبهذا يظل نموذج AOSD إطاراً مفتوحاً للتطوير والتكييف، قابلاً للتطبيق المرحلي، ومتوافقاً مع مستوى البيانات المتاحة في الواقع الهندسي.

مثال تطبيقي مختصر لتطبيق نموذج AOSD

لِنفترضْ تصميمَ خزانِ مياهٍ خرسانيٍّ مُسلّحٍ في مدينةِ اللاذقية وفق متطلبات المواصفة القياسية السورية والكود السوري للبناء، بِعمرِ خدمةٍ مُستهدفٍ يبلغُ 50 عاماً. وَفي هذا السياق، يوضّحُ نموذجُ AOSD بوصفهِ إطاراً مكمّلاً، كيفَ يمكنُ إدماجُ اعتباراتِ الديمومةِ ضمنَ عمليّةِ التصميمِ التقليديّةِ منْ خلالِ تحديدِ آليّةِ التدهورِ الحاكمةِ وتحويلِها إلى متطلباتِ أداءٍ قابلةٍ للقياس.

استناداً إلى التصنيفِ المقترحِ لأنظمةِ التعرّضِ البيئيّ السوريّة (SEC)، تُصنَّفُ اللاذقيةُ ضمنَ نظامِ التعرّضِ الساحليّ (SEC-1)، حيثُ تُعدّ الكلوريداتُ وتآكلُ حديدِ التسليحِ الآليةَ المسيطرةَ للتدهور. وبما ينسجم مع فلسفة التصميم القائم على الأداء المعتمدة في الأدبيات الحديثة المتعلقة بتقدير العمر الخدمي، وبناءً على شدةِ التعرّضِ المتوقّعة، تُترجمُ هذهِ الآليةُ إلى متطلباتِ أداءٍ قابلةٍ للقياس، مثلُ الحدِّ منْ نفاذيةِ الخرسانةِ وتقليلِ معاملِ انتشارِ الكلوريداتِ وتحديدِ غطاءٍ خرسانيّ ملائمٍ للعمرِ الخدميّ المُستهدف.

بعدَ ذلك، تُطوَّر الخلطةُ الخرسانيةُ المناسبةُ منْ خلالِ خفضِ نسبةِ الماءِ إلى المادةِ الرابطةِ (w/b)، واستخدامِ الموادِّ الإسمنتيةِ التكميليّةِ (SCMs) وتحسينِ خصائصِ التشغيلِ والكثافةِ الداخليّةِ للخرسانة. ثمّ يُتحقّقُ منَ الأداءِ المُتوقّعِ باستخدامِ اختباراتِ خصائصِ النقلِ أو نمذجةِ اختراقِ الكلوريداتِ خلالَ عمرِ الخدمةِ، مَع إعادةِ ضبطِ التصميمِ عندَ الحاجةِ حتّى الوصولِ إلى التوازنِ المطلوبِ بينَ الديمومةِ والأداءِ والكلفة.

الخلاصة

تبيّنُ هذهِ الدراسةُ أنّ ديمومةَ الخرسانةِ في سوريّة ترتكزُ بصورةٍ رئيسةٍ على فهمِ آليّاتِ التدهورِ الحاكمةِ ضمنَ كلّ نظامِ تعرّضٍ بيئيّ، بدلاً منَ الاعتمادِ على مقاومةِ الضغطِ بوَصفها مؤشراً وحيداً للجودَة. فالبيئةُ الساحليةُ تتطلّبُ بالضرورةِ مقاومةً عاليةً لتغلغلِ الكلوريدات، بينما تَستدعي البيئاتُ الداخليةُ الحدّ منْ معدلاتِ الكربَنة، في حين تحتاجُ المناطقُ الغنيّةُ بالكبريتاتِ إلى حلولٍ تصميميّةٍ وكيميائيّةٍ تخصّصيّةٍ تتلاءمُ مَع طبيعةِ التفاعلِ والوسطِ المحيط.

وفي هذا السياق، يقدّمُ نموذجُ AOSD إطاراً تصميميّاً عمليّاً قائِماً على الأداء، يربطُ بينَ البيئةِ وآليّاتِ التدهورِ ومتطلباتِ الديمومة، ويحوّلُها إلى مدخلاتٍ تصميميّةٍ قابلةَ للتطبيق. وَبذلك، لا يعودُ الأداءُ طويلُ الأمدِ نتيجةً غيرَ مباشرةٍ لخصائصِ الخلطة، بلْ هدفاً تصميميّاً يُحدَّد مُسبقاً ويُتحقَّق مِنه.

ويمثّلُ هذا النهجُ تحولّاً منهجيّاً واضحاً منْ فلسفةِ التصميمِ التقليديّ القائمةِ على مقاومةِ الضغطِ إلى مقاربةٍ متكاملةٍ قائمةٍ على الأداء، تأخذُ بعينِ الاعتبارِ خصائصَ النقلِ داخلَ الخرسانة، والتفاعلاتِ الداخليّة، وعمرَ الخدمةِ المُستهدف. وهوَ ما ينسجمُ مَع متطلباتِ مرحلةِ إعادةِ الإعمار، ويعزّز أسسَ الاستدامةِ منْ خلالِ تقليلِ معدّلاتِ التدهورِ وخفضِ كلفِ الصيانةِ على المدى الطويل.

التوصيات

  • اعتمادُ فلسفةِ التصميمِ القائمِ على الأداءِ والديمومةِ في المشاريعِ الإنشائيةِ الجديدة، بدلاً منَ الاكتفاءِ بالمقاربةِ التقليديّةِ المُعتمِدةِ على مقاومةِ الضغطِ وحدها.
  • إدراجُ نظامِ التعرّضِ البيئيّ بوصفِه متغيّراً تصميميّاً أساسيّاً في تصميمِ الخلطاتِ الخرسانيّة، وربطُ الخصائصِ المطلوبةِ بآليّاتِ التدهورِ المتوقعةِ لكلّ بيئة.
  • العملُ على تطويرِ مواصفةٍ وطنيةٍ سوريةٍ (أو ملحقٍ فنيّ للكود) لتصنيفِ البيئاتِ الخرسانيّة وأنظمةِ التعرّض، تأخذُ في الحسبانِ الخصوصيّةَ المناخيّةَ والجيومورفولوجيّةِ المحليّة.
  • تعزيزُ اختباراتِ الديمومةِ طويلةِ الأمدِ مثلَ النفاذيّة، ومقاومةَ تغلغلِ الكلوريدات، وعمقَ الكربنة. وجعلُها جزءاً أساسيّاً منْ أعمالِ الفحصِ والتوصيفِ إلى جانبِ اختباراتِ المقاومة.
  • دعمُ الدراساتِ التطبيقيةَ الراميةَ إلى تطويرِ نموذجِ AOSD وتحويلِه إلى نسخةٍ كميةٍ متقدمةٍ (AOSD 1.0)، والتحققِ منْ فاعليّتِهِ ميدانيّاً تمهيداً لتقييمِ أمكانيّةِ تطويرهِ إلى أداةِ تصميمٍ معياريةٍ في الممارسةِ الهندسيّة.

المراجع:

1- كيوستي تيوتي، تآكل تسليح الخرسانة، معهد أبحاث الإسمنت والخرسانة السويدي.

2- أساسيات تكنولوجيا الخرسانة، الخرسانة كمادّة للبناء، جَمعيّة البيتون، هولندا.

3- بيرت بومانس، تآكل الفولاذ في الخرسانة: الوقاية والتشخيص والمعالجة، مطبعة CRC، الولايات المتحدة الأمريكية.

4- أود إي. غورف، ديمومة الخرسانة: ظواهر التدهور المرتبطة بالتفاعلات الكيميائية الضارة، دار نشر سبرنغر، سويسرا.

5- جون سكالني، يان مارشان، وإيفان أودلر، العالم المربك لهجوم الكبريتات على الخرسانة، مطبعة Spon، لندن، المملكة المتحدة.

6- اللجنة الفنية RILEM TC 251-SRT، الهجوم الكبريتاتي الخارجي: الجوانب الحقلية والاختبارات المخبرية، دار نشر سبرنغر، سويسرا.

7- ف. راجابييور، تفاعل القلويات مع السيليكا: المعرفة الراهنة بآليات التفاعل والثغرات البحثية القائمة، مجلة أبحاث الاسمنت والخرسانة، 05/2015.

8- م. بيغون، ديمومة الخرسانة في البيئة الباردة، دار E&FN Spon للنشر، لندن.

9- بيير كلود أيتشنر، وجان مارشان، علم وتكنولوجيا إضافات الخرسانة، دار WOODHEAD للنشر، المملكة المتحدة.

10- المواصفة القياسيّة الأوربية للخرسانة EN 206.

11- بوابة البنك الدولي للمعرفة المناخية، الجمهوريّة العربيّة السوريّة.

12- الاتحاد الدولي للخرسانة الإنشائية (fib)، الكود النموذجي للمنشآت الخرسانية (fib Model Code 2020)، لوزان، سويسرا.