النداء الأول – نحو استراتيجية حقيقية لصناعة الإلكترونيات في سوريا

بقلم: م. يحيى طويل

للصناعات الإلكترونية أهمية كبيرة وخاصة في زمنِ تحوّل الدول للاكتفاء الذاتي في معظم المجالات، ومن أهم المجالات السيادية هي الصناعات الإلكترونية. فما معنى أن نستورد أجهزة إن كنا قادرين على تصميمها وتصنيعها؟  الصناعات الإلكترونية كلمة واسعة جداً وستُختصر في هذا المقال لمجالات بمقدورنا حاليًا أن نوطنها، وفي المقال أمثلة من دول مجاورة يمكن الاستفادة منها في التجربة السورية. ستتضمن المقال شرح عن المشهد السوري في مجال الصناعات الإلكترونية وتحديد حاجيات الصناعة الإلكترونية الناجحة ومن ضمنها خطوات مقترحة للنهوض بهذه الصناعة. هذا المقال هو النداء الأول بعد انتصار الثورة السورية وتأتي أهمية النداء على التوازي مع نشاط حكومي وخاص واسع يستهدف التحول الرقمي والأمن السيبراني والصناعات البرمجية المختلفة، مع إهمال للصناعات الإلكترونية التي تشكل الأساس لهذه القطاعات وغياب هذه الصناعة سيؤدي لخلل مستقبلًا.

مقدمة : 

لا يُقصد بالصناعات الإلكترونية الصورة التقليدية لمصنع جوالات أو حواسيب، وإن كان من المأمول الوصول لذلك اليوم الذي نصنع أو نصمم فيه جوالًا أو حاسوبًا سورياً. إنما المقصود هو وجود منظومة متكاملة بشرية وتقنية قادرة على تطوير وتصميم الأجهزة الإلكترونية وطرحها في الأسواق للاستهلاك والتصدير. قد تكون الأجهزة الإلكترونية استهلاكية أو صناعية أو طبية أو غير ذلك، مع اختلاف تصنيفات الأجهزة الإلكترونية فإن الوصول لمنتج إلكتروني له منهجية تطويرية وتصنيعية متشابهة.

تدخل التجهيزات الإلكترونية في كل مفاصل الحياة الحديثة[1] ومنها تجهيزات التحكم والتحسس في المباني والمنشآت والمنازل الذكية Smart Home، وتجهيزات المراقبة والتحكم في المدن الذكية Smart City ، وأيضاً في صناعة المركبات Automotive، إذ تعتمد السيارات على وحدة إلكترونية تسمى Electronic Control Unit ECU التي تتحكم بالنظام الكهربائي للسيارة. ومن القطاعات التي تعتمد على الإلكترونيات هي المصانع، إذ كثيراً ما تحتاج خطوط الإنتاج لحلول إلكترونية لحل بعض مشاكل خطوط الإنتاج وآلاته، ومنها على سبيل المثال أجهزة اكتشاف الحاجة للصيانة الوقائية predictive maintenance. من التطبيقات الحديثة في التجهيزات الإلكترونية هو تنفيذ نماذج الذكاء الصنعي في الجهاز نفسه[2] وليس في السحاب أو على الحاسب ويسمى هذا بـ Edge Computing أو Embedded AI.

الشكل (1): التجهيزات الإلكترونية الذكية في مفاصل الحياة الحديثة. المصدر: ResearchGate

للوصول لمنتج إلكتروني عادة ما يحتاج إلى مراحل نمذجة تبدأ من مرحلة بحث يجريها المهندسون عن القطع الإلكترونية Electronics Component المناسبة التي تستطيع القيام بالمطلوب، وثم يُشكل بهذه القطع الإلكترونية ما يسمى مخطط توصيل الدارة Schematic.

ومن المراحل البينية هي تطوير البرامج التي تعمل داخل الجهاز والتي تُنفذ على ما يسمى بالمتحكم أو المعالج الصغري Microcontroller وتسمى هذه البرامج بالـ Firmware وتسمى الدارة الإلكترونية التي تحوي إلكترونيات ومتحكم صغري ذو برنامج مثبت للتحكم به بالنظم المدمجة Embedded Systems، التي قد تتكامل مع البرمجيات الأوسع مثل قواعد البيانات والتخاطب مع الانترنت وهو ما يسمى Internet of Things  أو اختصارًا IoT. يُعرف النظام المدمج أو المضمّن بأنه جهاز ذو قدرات حسابية مخصص  specialized computing device مصمّم للقيام بمهمّة أو وظيفة محدّدة داخل نظام أوسع ويعمل عادة بالزمن الحقيقي real-time.

بعد مجموعة من النماذج الأولية يقوم المهندسون برسم مخطط الدارة المطبوعة Printed Circuit Board وهو ما يحدد الشكل الحقيقي للدارة والعناصر الإلكترونية التي تتوضع عليها، وعادة ما تُرسل هذه المخططات لمعمل الدارات المطبوعة PCB Manufacture وتتركز معظم هذه المصانع في الصين. يتم تجميع واختبار الأجهزة إما في بلد مثل الصين أو في المنشآت المحلية بحسب كل حالة.

إن تصنيع الدارة المطبوعة يتم من خلال خطوط إنتاج تسلسلية بعمليات كيميائية وميكانيكية معقدة وبعد ذلك إما يتم شحن الدارات المطبوعة إلى الزبون أو في خطوة إضافية يتم لحام العناصر الإلكترونية على الدارات المطبوعة من خلال عملية آلية تسمى PCB Assembly ، وفي الحالتين يتولى الزبون أو المصنع إدارة سلاسل توريد المكونات الإلكترونية التي سيتم تجميعها على الدارة المطبوعة. من المراحل النهائية هي حقن البرنامج على الدارة إن كان هناك متحكم أو معالج صغري عليها، وأيضاً تمر الدارات بسلسلة من اختبارات الجودة ومن ثم وضعها بالعلبة البلاستيكية والغلاف النهائي.

الشكل (2): مخطط مبسط عن مراحل تطوير منتج إلكتروني

على مدى عقود عدة لم يكن لسوريا القدرة على الوصول لسلاسل التوريد العالمية للعناصر الإلكترونية، وذلك لعدة أسباب مثل العقوبات، أو بسبب المنع من قبل النظام الأسدي البائد، مما أدى إلى الضعف الكبير وربما الغياب السوري الكامل الذي نراه اليوم في سوق الإلكترونيات.

لن تتطرق المقالة للنموذج الذي يُتّبع في بعض الشركات السورية التي تشتري تصميمات جاهزة وتعيد طرحها في السوق السوري على أنها منتج محلي وتوهم المستهلك بذلك بينما التصميم والتصنيع خارجي. وتُعرف المصانع التي تقدم هذه الخدمة بـ Original Equipment Manufacture  أو OEM وهذا يعني أن المنُتج يصنع كليّا في مصنع خارجي مع طباعة شعار شركة الزبون عليه دون مساهمة تصميمية من الزبون.

المشهد السوري الحالي في مجال الصناعات الإلكترونية

إن الشركات السورية التي تُعنى بالصناعات الإلكترونية الحقيقية هي شركات معدودة، بعضها يعمل داخل سوريا بالخفاء ويخدّم شركات ذات تواجد خارجي رسمي، وتملك هذه الشركات مكاتب بحث وتطوير داخل سوريا بسبب انخفاض تكاليف التشغيل ورواتب الموظفين، وتوجد أيضًا الشركات العلنية ولكن تُغطي قطاعات محلية محدودة جدا.

 

تنتشر كثير من الورش الفنية التي تنتج منتجات إلكترونية غطت حاجات محلية محدّدة وخاصة خلال سنوات الثورة وخاصة في مجال الطاقة البديلة. يمكن حصر هذه المنتجات في مجال شحن البطاريات وحمايتها وتوليد جهود لتغذية الأحمال المختلفة وحمايتها وأيضاً أجهزة التحكم بالفائض الشمسي وربما بعض المنتجات الأخرى مثل أجهزة قياس مستوى السوائل في الخزانات.

 

لا شك أن هناك بعض الشركات المحلية الرائدة التي نجح  بعضها في الانطلاق للعالمية رغم الظروف والتضييق، ومنها مثلا شركة الأوائل[3] التي تُصنّع مؤقتات وساعات جدارية توجد في معظم الجوامع السورية وحتى دخلت إلى معظم مساجد الدول العربية. انطلقت شركة الأوائل من حلب وكان لديهم مصنع من عدة طوابق. نذكر أيضاً شركة الحضارة[4] التي اشتهرت في تصنيع منظمات كهربائية عالية الجودة واستطاعت الاستمرار والتأقلم مع دخولها سوق الطاقة الشمسية وإضافة حلول خاصة بها في مجال انترنت الاشياء IoT.

 

الجدير بالذكر أن سوريا خسرت خلال الثورة العديد من الشركات التي نقلت أعمالها إلى خارج سوريا، أو شركات أغلقت أو بأحسن أحوالها غيرت نموذج عملها، فمثلاً انتقلت شركة الأوائل من سوريا إلى الخارج، وكذلك شركة الشامي للصناعات الكهربائية المنزلية [5] والتي تنتج معدات إلكترونية أو معدات تضم أجزاء إلكترونية.

أما على مستوى القدرات البشرية في هذا المجال فهي آخذة بالاضمحلال، إذ أصبحت سمعة مجال العمل في الإلكترونيات مقرونة دومًا بندرة الفرص وانعدامها وبصعوبة العمل فيها. رغم عدم وجود إحصائيات توضح نسبة خريجي الاختصاصات الهندسية ذات الصلة الذين يعملون في صناعات الإلكترونيات، فإن الواضح من سوق العمل وما يلمسه مدرسو المواد الاختصاصية في الجامعة أن الغالبية العظمى من الطلاب يلجؤون إلى التركيز والتخصص في البرمجيات أو تخصصات أخرى. مثلًا مهندسو الإلكترون يعمل معظمهم إما في البرمجيات وتطبيقات الموبايل أو في سوق الطاقة الشمسية، ومهندسو الحواسيب والتحكم يعملون في البرمجيات أو الشبكات أو الطاقة الشمسية. وإن كانت هذه تخصصات مهمّة ويدخل بعضها ضمن اختصاص هذه الهندسات، إلا أنها استولت بالمطلق على توجهات الطلاب.

 

إن غياب فرص العمل عن بعد يعزّز عزوف الطاقات الشابة عن هذا المجال في الوقت الذي لاقى فيه هذا النوع من العمل رواجًا في مجال البرمجيات، فحتى في أصعب الظروف التي مرت بسوريا كان سوق العمل عن بعد في البرمجيات مزدهرًا وكان سببًا لتعلم الشاغلين به، الكثير من التقنيات التي لم تدخل السوق السورية المحلية وقتها مثل: الذكاء الصنعي والحلول السحابية وبعض تقنيات الويب المتقدمة. إن قدرة الشباب للعمل عن بعد تسهم في تخفيف الضغط عن الدولة والمجتمع في تأمين فرص عمل للأعداد الكبيرة من الخريجين الجدد، وكذلك مصدر للقطع الأجنبي في البلد، ويسهم في عمل المهندسين السوريين على مشاريع متنوعة قد لا تكون موجودة في السياق المحلي.

الحاجات الرئيسية للصناعات الإلكترونية

تحتاج أي صناعة إلكترونية ناجحة إلى عدة أمور أساسية منها ما لا يمكن تأجيله، ومنها يعد كمالياً ويمكن توفيرها مع الوقت. أهم الأمور على الإطلاق هو القدرة على الوصول للعناصر الإلكترونية من الأسواق العالمية، إذ إن عدم الوصول للأسواق العالمية يجعل هذه الصناعة محدودة جدًا.

خلال السنوات السابقة كان يمكن للداخل السوري الوصول إلى العناصر الإلكترونية إما عبر إدخالها بكميات محدودة عبر تركيا في الشمال السوري خلال سنوات الثورة، أو في المناطق غير المحررة عبر المسافرين الدوليين بعد الحصول عليها من أسواق عالمية وهذا يعني وجود أجور باهظة إضافية قبل وصولها إلى الداخل، إضافة إلى تأخيرات زمنية غير محددة، ويضاف لذلك بعض المستوردين القادرين عبر شبكة فساد في الجمارك في النظام البائد إدخال بعض المواد من المعابر النظامية. 

إن الوصول لأسواق العناصر الإلكترونية يتم عبر موردين[6] مثل المورد الشهير Digikey أو Mouser أو المزود الصيني LCSC  وهذا يعني قدرة على شحنها إلى سوريا. يضاف إلى القدرة على الوصول إلى موردين العناصر الإلكترونية، فإن الوصول إلى مصانع الدارات المطبوعة أساسي ولا يمكن الاستغناء عنه إلا في حال وجود مصنع دارات محلية كامل الكفاءة. والجدير بالذكر أنه كان في سوريا بعض المحاولات لتقديم خدمة تصنيع الدارات المطبوعة ولكنها محدودة وبدائية ويدوية ولا تلبي حاجات اليوم لأسباب تقنية.

إن غياب قدرات الوصول هذه تؤدي إلى عزوف الشركات والأفراد عن تصنيع المنتجات الالكترونية وتطويرها وعن إنشاء شركات متخصصة في هذا المجال قادرة على تلبية حاجات السوق السورية وحتى قادرة على التصدير والمنافسة في الوطن العربي وعالميًا. أيضًا على مستوى مقدمي خدمات تصميم الحلول الهندسية لزبائن دوليين خارج سوريا، فإن غياب قدرة الأفراد للوصول يعني أنهم غير قادرين على تقديم الحلول، حتى وإن توفرت المهارات البشرية الكافية. فالشركات والأفراد خارج سوريا غير مهتمين بإسناد المشاريع لمهندسي سوريا طالما أنهم لا يستطيعون النمذجة والتصنيع بالطريقة الطبيعية كما في الدول الطبيعية.

الشكل (3): إحدى الآلات المستخدمة خلال مراحل التصنيع – آلة Pick & Place – المصدر: ResearchGate

لماذا الصناعات الإلكترونية مهمة في سوريا ؟

وبعد انتصار الثورة السورية خرجت سوريا بعد عقود سوداء من الزمن لتُبنى من جديد والإلكترونيات تدخل في كل شيء تقريبًا، ودونكم أمثلة من الواقع: حدثت حرائق في صيف السنة الماضية 2025 تسببت بأضرار هائلة على رئة سوريا وعلى السكان والعاملين في الدفاع المدني [7]، إذ استشهد خلال عمليات إطفاء الحريق عدد من العاملين والسكان. كان من الممكن رصد الغابات بأجهزة منخفضة التكلفة مزودة بحساسات بيئية تعمل ببروتوكولات اتصال منخفض الاستهلاك [8] مثل LoRa قادرة على المساعدة على اكتشاف وتبليغ المعنيين قبل انتشار الحريق. إن جهازًا واحدًا مثل هذا يغطي مساحة معيّنة قد لا يتجاوز سعره التصنيعي 5-10 دولارات أو أكثر قليلاً حسب الميزات.

تقنيًا نحن قادرون إن عزمنا اليوم على انتاج مثل هذا الجهاز وخلال أقل من سنة، وقبل حدوث حريق جديد. بينما استيراد أجهزة لتغطية المساحات النباتية الواسعة يعني هدرًا من ميزانية الدولة لوجود فرق سعر واسع بين المنتج المحلي والمستورد.

الشكل (4): عقدة Forest Guard Node لمراقبة الحرائق الحراجية مع حساس صوتي وحساس دخان ووحدة اتصال LoRa عالية المدى وخلية شمسية – المصدر: Wild labs

في مثال آخر: في أواخر السنة الماضية 2025 دعت مؤسسة الكهرباء لمناقصة لاستيراد حوالي 6 ملايين عدّاد كهربائي[9]، وهذا عدد هائل وربما تحتاج سوريا لعدد أكبر لتخديم المنظومة الكهربائية المنزلية على كامل المساحة السورية. لكن وبحساب بسيط إذا افترضنا وجود عدادات كهربائية ذات تصميم محلي، كم كنا سنوفر في هذه الحالة؟ وعلى فرض أننا استخدمنا بديل محلي أرخص بدولار واحد فقط كنا وفرنا على ميزانية الدولة 6 ملايين دولار في هذه المناقصة فقط، غير أغلب الظن هو أن الرقم الحقيقي للتوفير سيزيد عن أضعاف ذلك. نستطيع بهذه الوفورات بناء مصانع أو تمويل مشاريع كاملة. فالمبلغ الموفر والمفروض أعلاه 6 ملايين دولار، فإن سُدس هذا المبلغ كافي لتأسيس شركة أو مديرية وتمويل نفقاتها لمدة سنة على الأقل، كما يمكن أو على الأقل تمويل إنشاء مركز بحثي في الجامعات السورية قادر على تصميم مثل هذه الأجهزة، ولا يخفى أن الصناعة التي غطّت حاجاتنا المحلية اليوم ستصبح غدًا جزءًا من صادرات البلد وخاصة ضمن الإقليم لو أُحسن التصميم والتصنيع والتسويق.

قد يقول البعض إن صناعة العدادات الكهربائية الذكية معقدة وتحتاج لإجراءات وشهادات اختبار هندسية كثيرة حتى تُعتمد ولا يمكن للدولة أن تنتظر ذلك ولا شك أننا لا نستطيع تلبية الاحتياجات المحلية كافة دون خطط استراتيجية للحاجات المطلوبة ولتنمية المقدرات.

الأمثلة الأخرى كثيرة إذ يمكن أن تُغطي منظومة صناعة إلكترونيات وطنية خاصة أو حكومية منتجات استهلاكية واسعة الاستخدام في الدولة بعضها بسيط مثل الإشارات المرورية العادية والذكية أو مثل تجهيزات المنازل والمنشآت الذكية وانترنت الأشياء أو متوسطة التقعيد والمعقدة مثل الأجهزة الطبية كأجهزة التنفس الصناعي وغسيل الكلى.

شهدنا خلال جائحة كورونا كيف تنافست الدول في دعم جهود محلية لتصنيع أجهزة الإنعاش والتنفس الاصطناعي [10] والدول التي نجحت في بناء بدائل محلية بسرعة قياسية هي الدول التي كانت مؤهلة لذلك بشريًا وتقنيًا.

هل نحن بحاجة للصناعات الإلكترونية؟

من الأسئلة الشائعة والنقدية أن تكاليف تأسيس صناعة إلكترونية سورية كبيرة كما أن كل المنتجات متوفرة في الأسواق العالمية وهناك بدائل صينية رخيصة الثمن ومعقولة الجودة، ومن الانتقادات هو الخوف من أن تكون بعض الوفورات في الاعتماد على البدائل المحلية لا تغطي تكلفة فشل التجربة.

 

قد يستغرب البعض لماذا نتعب أنفسنا ونشغل أوقاتنا في إعادة إنتاج وتصميم ما هو جاهز، لكن ماذا لو كنا نعتمد في استيراد جهاز طبي لا يُصنع إلا في دولة أوروبية ولسبب ما – سياسي أو غير ذلك – تم منع استيراد هذا الجهاز؟ ماذا لو اعتمدنا على دولة آسيوية مثلًا في استيراد أحد التجهيزات الصناعة ولسبب ما تم منعه، وما أكثر هذه الأمثلة وما أقربها للواقع القريب والبعيد[11]. فالمسألة ليست مسألة رفاهية وليست مسألة وفورات مالية فقط، وإن كانت عاملاً مهماً، وإنما هي مسألة حياة أو موت في بعض الأحيان، ومسألة شلل تقني أو صناعي في أحيانٍ أخرى. عدا عن فوائد وجود البديل المحلي القادر على تلبية خصوصية المشاكل المحلية من خلال تخصيصه حسب المتطلبات التي قد لا يستطيع المنتج المستورد تلبيتها.

خطوات مقترحة 

إن نشأة الصناعات الإلكترونية الحقيقة في سوريا تحتاج إلى عوامل بشرية وعوامل لوجستية، فكما ورد في فقرة “المشهد السوري الحالي في مجال الصناعات الإلكترونية”، فإن عزوف المهندسين ذوي الاختصاصات المتعلقة بالإلكترونيات أدى إلى ندرة الكفاءات البشرية ذات الخبرة الحقيقية، وكما استعرضنا في فقرة “الحاجات الرئيسية للصناعات الإلكترونية”، يُعد الوصول السهل والميسر لموردي العناصر الإلكترونية أساس أي حراك، وفي هذه الفقرة مجموعة من التوصيات العمليّة التي يمكن البدء بها:

1- دبلوم الإلكترونيات والنظم المدمجة

بالإضافة إلى عزوف الطلاب عن التخصص والعمل في مجال الإلكترونيات للصعوبات التي ناقشناها، فإن التعليم الجامعي ذو العلاقة يعاني الكثير من الفجوات، بعضها نظري وبعضها عملي، وبالنتيجة فإن الخريجين غير قادرين على البدء بشكل صحيح في سوق العمل. نقص المعرفة هذا ليس لكونه خريج جديد ولكن هي نتيجة خلل منهجي في الجامعات وفي التخصصات المرتبطة بعلوم الإلكترونيات. على سبيل المثال لا الحصر، تغيب مادة مثل تصميم الدارات المطبوعة عن مفردات مواد قسم متعلق بهذه الصناعة مثل هندسة الحواسيب والأتمتة في جامعة دمشق [12] رغم التوصية في إدخالها[13] بحسب جمعية آلات الحوسبة ACM التابع لـ IEEE. بينما ينحصر وجود مثل هذه المادة في بعض الأقسام المعدودة مثل قسم الهندسة الإلكترونية. 

على الرغم من أهمية معالجة الخلل من منبعه إلا أن التعقيدات الإدارية التي لا تزال موجودة، مما يجعل من الأسهل والأسرع إطلاق دبلوم تخصص لمدة ستة أشهر أو سنة يدخل فيها خريجو الكليات الهندسية ذات الصلة، ويكون في الدبلوم إعادة ترميم النواقص وبناء الخبرات اللازمة لسوق العمل. يتألف البرنامج من جذع مشترك لعدة أشهر، ثم ينقسم البرنامج لعدة مسارات حسب التخصصات المطلوبة في السوق السورية مثلا: انترنت الأشياء – النظم المضمّنة العامة – أمن المعلومات المضمّن – تصميم الإلكترونيات – إلكترونيات القدرة – الإبصار الحاسوبي المدمج والروبوتية – تعلم الآلة المدمج. يمكن توسيع وتعديل المسارات كلما دعت الحاجة.

يوجد في مصر تجربة رائدة في برامج الدبلومات التقنية، وإن كانت ليست محصورة على الإلكترونيات إلا أن الإلكترونيات جزء من الدبلومات المتوفرة. من أشهر الدبلومات هي دبلومة معهد ITI  التابع لوزارة الاتصالات المصرية[14] ويقدم برنامجاً مكثفاً من 9 أشهر، يُطلب من الطالب خلال البرنامج مجموعة من المشاريع العملية التي يجب أن ينفذها، فيتخرج بقدرات حقيقية تؤهله لسوق العمل المصري.

إن وجود هذا الدبلوم يوفر الكثير من الأوقات الضائعة التي تقضيها الشركات في تأهيل المهندسين الخريجين الجدد. إن إزاحة الحمل عن الشركات هي دافعة للشركات، كما تخفض التكلفة وتزيد من الإنتاجية وبالتالي تسهم في نجاحها.

2- استقطاب شركات تصنيعية ومراكز بحث وتطوير

تلجأ الشركات العالمية لافتتاح مصانع في الدول ذات التكاليف التشغيلية المنخفضة والضرائب القليلة، ولا شك أن لسوريا مكان استراتيجي وفيها قدرات بشرية معتبرة وذات تكاليف معقولة. إن دخول شركات عالمية لتأسيس مصانع في الدولة وإن كان لا يسهم مباشرة بشكل وطني بتمكين الدولة إلا أنه يجلب معه مقدرات تصنيعية متقدمة تسهم في تعرّض شريحة بشرية جيدة لتجارب تصنيعية لا يمكن معرفتها دون خوضها. يكشف دخول مثل هذه الشركات أيضاً أي مشاكل من الناحية القانونية أو اللوجستية للصناعات الإلكترونية. قد تمول هذه الشركات لاحقًا برامج تدريب وتأهيل في الجامعات وقد تمول مشاريع بحثية وكلها فوائد جانبية مهمّة.

عند وصول السمعة السورية لمرحلة جيدة قد تتشجع بعض الشركات الكبرى لافتتاح مكاتب بحث وتطوير R&D، ففي مصر هناك تجربة مميزة لوجود مثل هذه المكاتب مثل شركة STMicroelectronics وهي شركة متخصصة في صناعة الدارات المتكاملة IC وخاصة في مجال المتحكمات الصغرية والحساسات، وأيضاً شركة Valeo وهي شركة تقنية كبيرة تُخدم صانعي السيارات. إن وجود مثل هذه الشركات وإن كانت تُقدم حلولاً للخارج، ولكنها رافعة للمقدرات البشرية ومؤسِّسَة لسوق عمل يدفع مزيد من الشباب لدخوله. لعل موظف اليوم في أحد هذه الشركات، مؤسس أو مدير تقني مهم في شركة وطنية لاحقا.

3- اللوجستيات

لا شك أن الكثير من الموارد العالمية بدأت إتاحتها تدريجيا لسوريا بعد انتصار الثورة السورية وإلغاء العقوبات الأمريكية والأوروبية، ولكن يجب بذل جهد حكومي خاص لتسريع الوصول لخدمات الشحن بشكل يسهل للأفراد والشركات الوصول لمورّدي العناصر الإلكترونية ومصانع الدارات المطبوعة وهذا عادة ما يتم عن طريق شركات الشحن العالمية التي لم تعمل كما يجب بعد في سوريا مثل Fedex وDHL. يتضمن المقترح أيضاً التواصل مع الموردين والمصانع بشكل رسمي لإلغاء أي تبعات لا تزال بسبب العقوبات السابقة ولم يتم إزالتها بعد.

إن وجود قوانين جمركية خاصة تتعلق بالمكونات الإلكترونية والدارات المطبوعة هو أمر مهم جداً لحماية الصناعة، حيث تظهر لنا تجربة دولة تركيا تُظهر لنا كيف للقوانين الجمركية التي وضعت لحماية الصناعة التركية عبر التضييق على استيراد المنتجات الإلكترونية من الخارج دون تمييز مثل القطع الإلكترونية والدارات المطبوعة والأدوات التطويرية عن غيرها سبّب تراجعاً في الصناعات الإلكترونية إلى حد كبير[15] بالرغم من تقدم تركيا التقني الملحوظ.

4- مصانع دارات مطبوعة ومختبرات تصنيع وطنية

تعتمد الكثير من الشركات والأفراد على مستوى العالم على المصانع الصينية في طباعة الدارات المطبوعة وهذا أمر طبيعي بسبب مكانة الصين المعروفة ورخص خدماتها التصنيعية مقارنة بمصانع الدارات المطبوعة الأوروبية مثلًا، لكن من الضروري تحقيق حد أدنى من الاكتفاء في كل شيء بما فيه تصنيع الدارات المطبوعة، وذلك عبر إنشاء مصانع دارات مطبوعة حكومية أو خاصة قادرة على تخديم السوق المحلي. وجود هذه المصانع قادر على اختصار الكثير من الوقت المُنتظر بسبب الشحن. لكن تبقى مشاريع كهذه بحاجة للعمل عليها على المدى الاستراتيجي.

إن تأمين مساحات تصنيع قابلة للنفاذ بشكل سهل من قبل الأفراد يشجع المشاريع الناشئة على الظهور وذلك من خلال تجهيز شبكة من الفابلاب Fab-Lab ، وهو مكان مجهز بأهم آلات التصنيع باختلاف تصنيفاتها ومنها الدارات الإلكترونية. يمكن تجهيز هذه الأماكن بآلات طباعة دارات مطبوعة مكتبية للنمذجة وتجهيزات تجميع الدارات الإلكترونية. ظهرت في سوريا بعض المبادرات التي تحوي آلات تصنيع مختلفة مثل مركز  Digit ، الذي لا يختص تمامًا في التصنيع [16] ومركز Inno-lab التابع للجمعية السورية للبحث والنشر العلمي.

لم يظهر إلى الآن مركز وطني ذو قدرات متناسبة مع أهمية الموضوع ويتم إدارته مع تركيز على تخديم التصنيع الإلكتروني، كما يغيب بشكل شبه كامل التكامل المطلوب مع الجامعات والأقسام ذات الصلة. رغم كل الجهود التي بُذلت سابقًا لإنشاء مختبرات تصنيع داخل الجامعات، ومنها محاولة سابقة سعى لها أحد الزملاء في قسم هندسة الإلكترونيات في جامعة دمشق ولكن باءت بالفشل بسبب العوائق الإدارية وظروف الثورة آنذاك.

الشكل (5): صورة من أحد مختبرات التصنيع ويظهر فيه أدوات تصنيع مختلفة: طابعات ثلاثية الأبعاد – مفرزة مكتبية – آلة تثقيب

الخاتمة

لا يحتاج هذا النداء إلى تخصيص ميزانية مليونية لتنفيذه بقدر ما يحتاج إلى توجه رسمي رشيق قادر على وضع استراتيجية حقيقية، عبر البدء بالخطوات المقترحة للنهوض بالصناعات الإلكترونية السورية، فمثلاً إنشاء دبلوم للإلكترونيات والنظم المدمجة لا يمكن تحقيقه دون مشروع رسمي إما من وزارة التعليم العالي أو وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات، ولا يمكن تشجيع الشركات والمشاريع على دخول سوق الصناعات الإلكترونية دون دعم من وزارة الصناعة. كذلك وبدون توجه واضح لمؤسسات الدولة إلى تفضيل المنتج المحلي على المستورد لا يمكن تأسيس وتنشيط هذه الصناعة في سوريا.

إن الطريق نحو الصناعات الإلكترونية طويل وشاق، وإن عرض هذه المقالة هو جزء بسيط من المشكلة، فلم نتحدث مثلاً بعد عن الصناعات الدقيقة في هذا المجال مثل صناعة الرقائق والدارات المتكاملة وهو موضوع ليس مستحيلًا، وخاصة مع وجود تجربة مصرية في تصميم الدارات المتكاملة عبر شركات مصرية وطنية عدة [17] ولكن نترك الحديث عن هذه الصناعات الدقيقة الفرعية على أمل أن يصل النداء الأول لأصحاب القرار.

إن إقامة مؤتمر أوسع يضم المتخصصين وأصحاب التجربة السورية في هذا المجال هو اقتراح إضافي، وقد تم تجهيز قائمة من عشرين اسم تم التواصل معها مسبقًا ضمن جهود هذا النداء يمكن مشاركتها مع المعنيين لاحقًا.

شكر وعرفان

الشكر موصول للمهندس سفيان حبوباتي لإسهامه في مراجعة المقال واقتراح إضافات مهمة، وأيضًا للمهندس أحمد إبراهيم من جمهورية مصر العربية الذي نشر سلسلة مقالات وسمّاها “النداء الأخير: نحو استراتيجية حقيقية لصناعة الإلكترونيات في مصر”[18] ومنها تم استلهام هذا النداء، وإن كان هذا النداء الأخير في مصر، فإنه النداء الأول بالنسبة لسوريا. 

المراجع

1- Wadhwa, M., & Shrivastava, U. (2023). Ubiquitous computing: A comprehensive review. In International Conference on Electrical Engineering. Springer.
 https://doi.org/10.1007/978-981-99-8661-3_42

2- Tiny machine learning for resource-constrained microcontrollers. (2022). Journal of Sensors.
 https://onlinelibrary.wiley.com/doi/10.1155/2022/7437023

3- شركة الأوائل. (2026). الموقع الرسمي لشركة الأوائل. تم الاسترجاع في كانون الثاني 2026، من
 https://www.al-awail.com/website/site/

4- شركة الحضارة للصناعات الإلكترونية. (2026). نبذة عن الشركة. موقع من هم. تم الاسترجاع في كانون الثاني 2026، من
 https://manhom.com/شركات/شركةالحضارةللصناعاتالإلكترونية/
5- شركة الشامي. (2026). الموقع الرسمي لشركة الشامي. تم الاسترجاع في كانون الثاني 2026، من
 https://shami-co.com

6- Digi-Key Electronics. (2026). Electronic components catalog. تم الاسترجاع في كانون الثاني 2026، من
 https://www.digikey.com/en/products

7- شبكة الجزيرة. وزير الطوارئ السوري: 80 فريقًا تعمل لإطفاء حرائق اللاذقية. https://aja.ws/mxhetw

8- Apriani, Y., Oktaviani, W. A., & Sofian, I. M. (2022). Design and implementation of LoRa-based forest fire monitoring system. Journal of Robotics and Control, 3(3).
 https://journal.umy.ac.id/index.php/jrc/article/view/14128


9- وكالة شام الإخبارية. وزارة الطاقة تعلن مناقصة جديدة لتحديث العدادات الكهربائية.
https://shaam.org/news/syrianews/وزارةالطاقةتعلنمناقصةجديدةلتحديثالعداداتالكهربائية

10- Antonini, M. J., Plana, D., Srinivasan, S., et al. (2021). A crisis-responsive framework for medical device development applied to the COVID-19 pandemic. Frontiers in Digital Health, 3, Article 617106. https://www.frontiersin.org/articles/10.3389/fdgth.2021.617106

11- Shahrour, S., & Uma, M. H. (2025). The impact of conflict and sanctions on the Syrian economy. In Economic slowdown, unemployment, and instability. Taylor & Francis.
 https://www.taylorfrancis.com/chapters/edit/10.1201/9781779643469-10

12- جامعة دمشق. (2026). مفردات المواد في قسم الحواسيب والأتمتة. تم الاسترجاع في كانون الثاني 2026، من
https://damascusuniversity.edu.sy/fmee/index.php?lang=1&set=3&id=422

13- Impagliazzo, J., et al. “Curriculum guidelines for undergraduate degree programs in computer engineering.” CE2016). December 15 (2016).

14- Information Technology Institute (ITI). (2026). Student handbook for ITI programs. تم الاسترجاع في كانون الثاني 2026، من  https://iti.gov.eg/assets/pdfs/Student%20Handbook%20for%20ITI%20Programs.pdf

 

 

15- Kilic, E. B. (2025, August 7). Why Türkiye’s import regime undermining tech future. Türkiye Today. https://www.turkiyetoday.com/opinion/why-turkiyes-import-regime-undermining-tech-future-3205191.

16- Digit Incubator. (2026). Fabrication lab. تم الاسترجاع في كانون الثاني 2026، من
 https://digit-sy.com/ar/fabrication-lab

17-Osman, Ashraf A., Amin B. Abdel Nabi, and Ismail El-Azhary. “The potential of establishing computer aided design (CAD) industry in Africa-Sudan as a case-study.” 2013 International Conference on Computing, Electrical and Electronic Engineering (ICCEEE). IEEE, 2013.

18- أحمد إبراهيم (2025.). نحو استراتيجية حقيقية لصناعة الإلكترونيات في مصر [منشور في شبكة لينكد إن].
https://www.linkedin.com/posts/yahyatawil_منخيرماكتبعنتوطينالصناعاتالإلكترونيةactivity-7380179234922762240-56FZ