مهنة الهندسة وتحدّيات العولمة

المهندس رصين عصمت

مهنة الهندسة وتحدّيات العولمة

يقول أحدُ الباحثين العرب المعاصرين: إذا كانت هذه تحدّيات العولمة كما تتبدّى من نُذرها في العالم العربي؛ فما هي حدود مواجهتها لدى المثقّفين العرب؟ وفي هذا الصدد فإنَّ منحى الإسهام العربي  في دراسة مواجهة تحدّيات العولمة، لم يتوقّف فحسب عند تقديم مقترحات ترمي إلى طرح حلول؛ بل راهن على توسيع دائرته بطرح مشروعات قدّمها البعض من المثقّفين العرب، 

منها ما لم تتبلور أبعاده بعد، ومنها ما فتئ يشتبك مع ملابسات العولمة، ومنها ما يتّخذ صيغة رؤية استراتجية. ويقول باحثٌ عربيٌ آخر: إنَّ من يصنع العولمة هو الذي يملك الأدوات والآليات التي تُمكّنه من فرض خصوصياته وإملاء شروطه على الآخرين، فهي حصيلة معارك بين العالميات والنماذج الحضارية المختلفة. 

ولقد أصبح من الواضح أنَّ العولمة تأخذ أكثر من شكل، وتأتي في أكثر من صيغة. لذلك أصبح من الضروري 

التمييز بين العولمة الاقتصادية، والعولمة الثقافية، والعولمة السياسية، والعولمة العلمية، والعولمة الاجتماعية، والعولمة الهندسية، فلا توجد عولمة واحدة، بل هناك “عولمات” عدّة تتفاوت في معانيها ومضامينها وحضورها على أرض الواقع.

مفهوم العولمة:

العولمة ظاهرةٌ من الظواهر الكبرى ذات الأبعاد والتجلّيات المتعدّدة، والظواهر الكبرى توصف أكثر مما تُعرّف، كما يقول أحد الفلاسفة: “إنَّ كل ما ليس له تاريخ لا يُمكن أنْ يُعرّف تعريفاً محدّداً”، والعولمة مما ينطبق عليه ذلك إلى حدٍ بعيد، و لهذا كثرت تعاريف العولمة، وأصبحت تُمثّل رؤىً شخصيةً، فكلٌ يُدلي بما عنده من العولمة، ويصوغ ما يشاء من التعاريف بناء على مشاهداته ومعلوماته عن هذه الظاهرة سواء التاريخية أو من خلال التجارب الشخصية.

تعود كلمة العولمة في ترجمتها الحرفية إلى كلمة (Mondialistion) الفرنسية، وكلمة (Globalization) الإنجليزية، والتي تعني بالمعنى الاقتصادي جعل الشيء على مستوى عالمي، أي نقله من المحدود المراقب إلى اللامحدود الذي ينأى عن كل مراقبة. والمحدود هنا هو أساساً الدولة القومية، التي تتميّز بحدودها الجغرافية، والمراقبة الصارمة على مستوى التبادل التجاري والتعرفة الجمركية.  أما اللامحدود، فالمقصود به العالم؛ أي الكرة الأرضية والفضاء الكوني.

يُعرّف “الجابري” العولمة في معناها اللغوي بأنها: (تعميم الشيء وتوسيع دائرته ليشمل العالم كله).

وتعني العولمة في معجم “ويبستر”: (إكساب الشيء طابع العالمية، وذلك يجعل امتداد الشيء أو العمل به يأخذ الصفة العالمية).

ويقول باحثٌ آخر: إنه إذا كانت الألفاظ تدل على معانيها؛ فليس للعولمة مهما اختلفت التأويلات سوى مدلولٌ واحدٌ: صيرورة العالم واحداً). بينما يُعرّفها آخرون على أنها (تبادلٌ شاملٌ إجمالي بين مختلف أطراف الكون، يتحوّل العالم على أساسه إلى محطة تفاعلية للإنسان. وهي نموذج للقرية الصغيرة الكونية التي تربط ما بين الناس والأماكن ملغيّة المسافات، ومقدّمة المعارف دون قيود. وهي ليست وليدة للرأسمالية أو السوق، إنها تقتات الاقتصاد والسياسة والاجتماع والثقافة، وتتجاوز النُظم والإيديولوجيات، وتُعدُّ تشكيلةً منوّعةً من الأنظمة والبُنى تُحدّد ممثّليها الدول الكبرى والشركات متعدّدة الجنسيات والمنظّمات العالمية، وهي ليست أكثر من حركة جهنمية تنطلق بسرعة وتخطف في طريقها الآمال والأحلام).

وتذكر الباحثة “هالة مصطفى”: (أنَّ الذهن عندما يطلق لفظ العولمة، ينصرف إلى أحد معنيين: الأول: جعل الشيء على مستوى عالمي، أي نقله من حيّز المحدود إلى آفاق اللامحدود، واللامحدود هنا تعني العالم كله. والثاني: تعميم الشيء وتوسيع دائرته أو بعبارة أكثر دقة تعميم نمط من الأنماط الفكرية والسياسية والاقتصادية الذي تختص به جماعة معينة أو نطاق معين أو أمة معينة على الجميع أو على العالم كله).

ويُشير  الأستاذ “عبد الإله بلقيز”: (إلى تلازم معنى العولمة Globalization  في مضمار الإنتاج والتبادل المادي والرمزي، مع معنى الانتقال من المجال الوطني أو القومي إلى المجال الكوني).

ويُفضّل الباحث “إسماعيل صبري عبد الله” تسمية العولمة باسم “الكوكبة”، ويراها الترجمة الصحيحة للاسم الإنجليزي للظاهرة، وهو Globalization، وهو مشتقٌ من  Globeبمعنى الكرة.  والمقصود بها هنا الكرة الأرضية، الكوكب الذي نعيش على سطحه، وتُقابل العالَم وهو: World، والكون وهو: Universe، وكلمة العالم تعني البشرية والنسبة إليها توحي بمشاركة الناس جميعاً في انتشار الظاهرة محل الدراسة. والمقصود هنا بالكوكبة هو التداخل الواضح لأدوار الاقتصاد والاجتماع والسياسة والثقافة والسلوك، دون اعتداد بذكر الحدود السياسية للدول ذات السيادة، أو انتماء إلى وطن محدّد أو دولة معيّنة، ودون حاجة إلى إجراءات حكومية).

من العرض السابق تبرز ازدواجية دلالة العولمة، فهناك الجوانب الموضوعية التي جعلتها تقنيات المعلومات والاتصال تعمُّ الكرة الأرضية. وهناك المشروع الأيديولوجي الذي يُحاول تعميم اقتصاد السوق وثقافته على العالم، في عملية تنميط أحادي انطلاقاً من مركز الثقل المالي والتقني والإعلامي الراهن المتمثّل بأمريكا.

 لقد تبلورت في نهاية التسعينات من القرن الماضي أهداف العولمة بشكلٍ عام، وهي مازالت أهدافاً غير معلنةٍ وغير مكتوبةٍ، وأهمها:

  • رفع القيود أمام حركة تبادل السلع والخدمات ورؤوس الأموال.
  • ربط أجزاء العالم اقتصادياً وتجارياً وثقافياً وإعلامياً.
  • تقريب المسافات عبر تقنية الاتصالات وثورة المعلومات.
  • تسهيل انتقال الأفراد والمؤسسات والمعلومات والأموال والبضائع والخدمات.

توقّع الغرب في بداية الثمانينات من القرن الماضي أنْ يتحوّل العالم قبل نهاية القرن العشرين إلى ما أسموه “بمجتمع الثلثين”، أي أنَّ فوق ستين بالمئة من سكّان العالم سيعيشون في رفاه من جرّاء تحرير التجارة العالمية، ليفاجأوا بعد أقل من عشرين سنة، وفي بداية الألفية الثالثة أنَّ العالم أصبح مجتمع الخمس؛ أي أنَّ ثمانين بالمئة من سكان العالم قد أصبحوا فقراء، ويُخدّمون عشرين بالمئة من بقية سكّان المعمورة والذين يعيشون في رفاهٍ ونعيم. فقد أثبتت كثيرا من الدراسات والإحصاءات أنَّ خمس دول العالم تقريباً هي أكثر الدول ثراءً، وتستحوذ على 84.7% من الناتج الإجمالي في العالم، وعلى 84.2% من حجم التجارة الدولية، ويمتلك سكانها 85.5% من مجموع مدّخرات العالم.

وكنتيجة من نتائج العولمة ولدت منظّمة التجارة العالمية في نيسان عام (1995) في مدينة مراكش بالمغرب. لتكون بديلاً عن الـ GATT. تُعتبر هذه المنظّمة الإطار المؤسّس التشريعي لقواعد التبادل بين أعضائها في جميع المجالات التجارية، سواء كان ذلك في تجارة السلع من زراعية وصناعية، وتُمثّلها الاتفاقية العامة للتعرفة الجمركية والتجارة، المعروفة بـ    (General Agreement of Tariffs and Trade, GATT).

وتجارة الخدمات من أساسية وفرعية ممثّلةً بالاتفاقية العامة للتجارة والخدمات المعروفة بـ (General Agreement of Trade and Services, GATS).

رؤى وتوقعات مستقبلية:

إنَّ العولمة آتيةٌ لا محالة، وستؤثّر على جميع أوجه حياتنا، ومنها رسم مستقبل الهندسة والتحدّيات التي ستخلّفها محلياً وعالمياً، وكيفية ممارستها.

مما سبق ذكره، وبعد قراءة متأنّية لمجريات الأحداث العالمية التي لا يتسع المجال لحصرها في هذه المقالة، يُمكننا أنْ نستنج الأحداث المستقبلة التي ستؤثّر تأثيراً مباشراً أو غير مباشر على مهنة الهندسة ومنها:

  • سيزيد سكان العالم على العدد الحالي والبالغ ثمانية بلايين إلى حوالي تسعة بلايين نسمة في العام 2030. وستكون 95% من هذه الزيادة في البلدان النامية، ونتيجةً لذلك سيحصل شحٌ في كثيرٍ من الموارد مما سيثير المنافسة بشكلٍ أشدَّ إضافة إلى النقلة الحضارية، وسيكون هناك تنافسٌ شديدٌ على الوظائف، ومنها الهندسية على المستويين المحلي والعالمي.
  • من المتوقع أنْ ينتقل معظم سكّان العالم إلى المدن الكبيرة لطلب الوظيفة والعيش. وهذا سيُساهم في زيادة الطلب على التوسّع في البنية التحتية لتأمين المزيد من الخدمات. لذا سيكون دور المهندس صعباً جداً، حيث إنه مطلوب منه أنْ يُصمّم وينشئ ويصون مرافق رئيسة بأوفر التكاليف، نظراً للشح الذي سيحصل في كثير من الموارد.
  • نظراً لشدة المنافسة على الوظائف في المستقبل؛ فسيكون هناك الكثير من العاطلين عن العمل. وفي هذه الحالة لن يحصل على الوظائف إلا الأشخاص المؤهّلون فعلاً. وهذا سيدفع المهندس إلى التخصّص في مجال أكثر دقةً، وسيتلو ذلك تقسيم الوظائف إلى فئتين رئيستين. فمن جهة سيكون هناك مهندسون مؤهّلون أكفّاء وهم الذين سيعتمد عليهم في التخطيط والتنمية والتطوير. ومن جهة أخرى سيكون هناك مهندسون أقل كفاءة، ومن المؤسف أنَّ هؤلاء سيكونون في مصاف العمال الذين ينفذوا ما خططته ورسمته الفئة الأولى، وسيكون توظيفهم حسب الحاجة المؤقتة، لذا سيكثر التركيز في المستقبل على الوظائف قصيرة الأجل والأعمال المؤقتة.
  • ستكثر الشركات متعدّدة الجنسيات، وفي المنظور القريب سيكون هذا لصالح الشركات متعدّدة الجنسيات الأوربية والأمريكية لأنها قد بدأت في المجال منذ عشرات السنين. وحرية التجارة تعني سيطرة القوي. ويعني ذلك نقص فرص عمل المهندسين على المستوى المحلي.
  • ستزداد أنماط نقل وتوطين التقنية وسيستفيد من ذلك البلاد النامية . فمثلا، لتسويق منتج معين ، تقوم الشركات العملاقة المتعددة الجنسيات بتثقيف مواطني هذه الدول بحيث يكون لديهم الرغبة في شراء هذه المنتجات.
  • ستسهم سيطرة الشركات المتعددة الجنسيات في زعزعة أنظمة بعض الدول النامية. حيث إنه ستقل هيبة وسيطرة الدولة وستزيد سيطرة ونفوذ الشركات المتعددة الجنسيات. وهذا بدوره سيحدث أزمات مالية مما سيؤثر على الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية كذلك.
  • نظرا للنقص الحاد الذي سيصيب الموارد في المستقبل ، فمن المتوقع أن يكون التعامل التجاري يناء على المقايضة فمثلا مقابل أن تقوم أمريكا ببناء مشروع بـ 30 مليون دولار في جزر القمر. وحيث أنَّ جزر القمر ليس لديها سيولة نقدية أو إمكانية مادية لتمويل هذا المشروع، فقد يكون هناك اتفاق مقايضة حيث تحصل أمريكا مقابل ذلك على تسهيلات من الدولة للاستثمار في مجال السياحة على وجه الخصوص.

تقوية دور المكاتب الهندسية الاستشارية:

كما هو معلوم، يُعدُّ العمل الاستشاري في أيّ مجتمعٍ حديث، العامل الأساس في دفع عجلة التنمية الوطنية، والمحرّك الدائم لتطوير وتحديث الأدوات التي من شأنها ضمان التقدّم الاجتماعي والاقتصادي، وكذلك إدارة بنوك المعلومات، باستعمال التقانات الحديثة لاستنباط الحلول والمقترحات اللازمة لأية عملية تطوير وتحديث، ووضع الأسس السليمة للتقييم والتقويم بصورةٍ مستمرة لواقع الحياة الاجتماعية والاقتصادية لأيّ بلد من أجل تحسينه وتجويده.

ويُمثّل العمل الاستشاري الهندسي جزءاً مهماً من العمل الاستشاري العام، وهو المسؤول الأول عن تأمين الكفاءة القصوى في تشييد البنى التحتية وتطويرها وإدارتها وصيانتها واستثمارها، حيث تُعدّ المقدمة الأولى لأيّة عملية تنموية في كل بلدان العالم. ولا شك في أنَّ المكاتب الهندسية الاستشارية هي عماد التقدّم والتنمية الشاملة. ونظراً للتقدم التكنولوجي السريع فالأمر يستلزم مسايرة هذا التقدّم والتنوّع. وذلك عن طريق التدريب والتأهيل المستمرين.

وتقع على عاتق المكاتب الهندسية الاستشارية المسؤوليّة الأكبر في تطوير عملها لكي تستطيع مجاراة ومنافسة المكاتب العالمية والتي لها باعٌ طويل في المجال الهندسي.

لذلك يجب على هذه المكاتب القيام بجملة من الخطوات الهامة، مثل ضرورة تطبيقها لنظام الجودة الشاملة لما له من فوائد إيجابية على العمل الهندسي، والعمل وفق نهج مدروس ومنظّم يتفق مع أفضل المعايير العالمية.

ويجب أنْ تؤدّي المكاتب الهندسية الاستشارية دورها في التنمية من خلال دعم المنظّمات والمؤسّسات الحكومية والخاصة، ويشمل ذلك:

  • تطوير النظم والهياكل والاستراتيجيات مما يؤدّي إلى تحسين توظيف واستثمار الموارد البشرية والمالية.
  • رفع مستوى وإمكانيات الموارد البشرية وزيادة ولائهم وانتمائهم للمؤسّسات التي يعملون فيها من خلال تطوير مناخ عمل محفّز.
  • إدخال المعايير والمواصفات الدولية في أعمال المؤسّسات بما يؤهلها للوصول إلى عالمية الأداء.
  • تطوير الخدمات والمنتجات بما يُحسّن من سمعة المؤسّسات ويزيد من رضا المتعاملين معها.
  • زيادة الإنتاجية والربحية مما يؤدّي إلى بقاء المؤسّسات وريادتها للأسواق.
  • إدخال منظومة العمل الإلكتروني لتحسين الأداء والتوافق مع متطلّبات عصر العولمة.