المهندس محمد زعيتر
وعي ما بعد الاستبداد نحو مشروع حضاري خارج النسق القهري
نحو مشروع حضاري خارج النسق القهري
المقال الافتتاحي
في سلسلة مقالات تختص بالوعي الجمعي
لنهضة فكرية خارج الأطر الاستبدادية
المقال رقم صفر
الكاتب: محمد زعيتر
من أين نبدأ؟
بعد سقوط المستبد، فإن أي تغيير يُعد تحريكًا لعجلة كانت واقفة. ليس المهم دائمًا أن يكون هذا التغيير جيدًا أو سلبيًا، فالتغيير أحيانًا، لمجرد كونه تغييراً يُعد ثورة، وخاصة في الأنظمة الأحادية.
لكن هل النظام المستبد هو مجرد ممارسات استبدادية؟ وهل انتهاء هذه الممارسات يعني تحررنا من المستبد؟ أم إن تلك الممارسات تسللت لتخلق نظامًا فكريًا في المجتمع، وأسست أطُراً ونسقًا داخل الذهن الجمعي. وقد يكون إسقاط هذه الأفكار والأنساق في منهجية التفكير هو أهم ما يجب أن يقوم به الشعب بعد هزيمة المستبد.
إن طريقة التفكير التي يقوم بها مجتمعٌ ما، أو ما يسمى بـ “الوعي الجمعي”، تكون متسقة ومتعلّقة بسلوك المجتمع. إذاً هناك أيضًا نسق قهري يفرض قيوده على مجتمع يحتاج إلى أن ينهض، قبل أن يمسك رسنه مستبدٌ آخر…
وربما هذا المجتمع نفسه سيصنع مستبدًا جديدًا لأنه توصل إلى أفكار تعرّف وجوده وهويته كشعبٍ مقهور. وبالتالي، فإن التخلص من هذه الأفكار قد يجعله يتوهّم أنه سينهي وجوده بانتهاء الفرعون، كونه يعرف نفسه بأنه لا وجود له دون “القائد الواحد المستبد”.
ما هو النسق القهري؟ وماهية الاستبداد
الخلط بين “المفهوم” و”الشخص” هو من كوارث الفكر، ومن ثوابت وأساسيات بناء الجهل المركب، الذي يُمهّد لظهور جهل مقدّس، وقد يودي بمجتمعات كاملة إلى الانهيار، أو إلى خلق بيئات خصبة لتحلله وتؤدي إلى فنائه.
مثلًا: الخلط بين الصداقة كمفهوم والصديق كشخص قد يجعل الإنسان ينهي فكرة الصداقة من حياته إذا خذله صديق سيء.
وكذلك، الخلط بين الدين كمفهوم والمتدين كشخص قد يؤدي إلى رفض الدين نفسه، بسبب ممارسات المتدين الخاطئة أو تفسيره الضال.
وبالمثل، فإن الخلط بين “المستبد” كشخص و”الاستبداد” كمفهوم، قد يُنتج مجتمعات استبدادية تقهر بعضها بعضًا، وتُمزّق نسيجها الداخلي، وتُعيد إنتاج فكر استبدادي يمكّن أي مستبد جديد من إعادة حكمها والسيطرة عليها.
الاستبداد ليس مجرد سلوك سياسي، بل هو منهجيات فكرية متناسقة ومتراكبة، تفرض نفسها في ذهن العامة، وتعيش في اللغة والمفردات، حتى تشكل شبكة من القيم والسلوكيات تُصبح أصيلة في المجتمع، لا تُرى كاستبداد بل كثوابت.
لماذا الوعي الجمعي هو جبهة المعركة الحقيقية؟
إن أخطر ما فعله المستبد لم يكن فقط التسلط السياسي، بل عزل الناس عن السياسة نفسها، كفعل وممارسة وفكرة.
لا يوجد لدينا سياسيون بالمعنى الحقيقي، ولا حتى تنظيرات سياسية ناضجة. وإن وُجدت بعض التنظيرات الفكرية الثورية، فإنها تتشابه مع ما يُظن أنه فكر سياسي، لكنها ليست كذلك. وكذلك تم تخريب كل الجوانب الأخرى الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وغيرها، حتى أنه لم يكتف بعزله عن تلك السياقات بل حدد له مفردات ليستخدمها، أي انه استبد بلغته ليسمح بمجموعة كلمات في لغته أدت لتشكيل قوالب لغوية مفرغة وقوالب فكرية مغلقة، فأصبح لدينا مجتمع يدرس سياسة لكنه لا يبني وعياً سياسياً ولا ينتخب سياسيين، ويدرس الاقتصاد دون اقتصاديين، ويدرس الدين دون وجود نخب دينية أو متدينين، ويدرس الفلسفة دون فلاسفة ولا مدارس فلسفية، فأسقط الخطاب الشخصي من آليات بناء الوعي الجمعي ليصبح مؤطراً مطوعاً مقولباً، فأصبح سلوكه متوقعاً وأطبق حكمه وسيطرته على وعي جمعي كامل يتماهى تماماً مع استبداده فأصبح وعياً يملك معلومة ربما، لكنه غير قادر على إنتاج معرفة فتجمدت الذهنية العامة.
هناك فرق كبير بين أن يعيش الإنسان الفقر أو الظلم وبين أن يعي ويدرك سبب فقره أو سبب ظلمه،
لذلك فإن العمل الآن على الوعي الجمعي لجعله يُفكّك ذاته ويفهم نفسه، ويعيد تشكيل أدواته المعرفية، هو من أهم المشاريع التي ستُنقذ المجتمعات، وتدخلها في عصر النهضة.
هذا الوعي المعتاد على أن تُوضع له “علامات الطرق”، إذا تُرك دون توجيه حر ومسؤول، فقد يبني مفاهيم خاطئة عن الحرية، وعن الأخلاق، بل وقد يُعيد إنتاج الاستبداد من جديد.
فإن لم يتم تفكيك الأدوات التعليمية التي بُني بها هذا الوعي داخل الأطر الاستعمارية، فسنستبدل مناهج فقط، بينما العقل سيبحث عن مستبدٍ جديد يمنحه شعور الأمان.
فالإنسان عدوّ ما يجهل حرفيًا.
لهذا، فإن بناء مناهج تفكير وآليات إدراك وسلوكيات مجتمعية هو الفرصة الحقيقية الأولى للتعامل مع الوعي الجمعي بشكلٍ حرّ لأول مرة خارج الأطر الاستبدادية.
لماذا هذه السلسلة؟ ولماذا نبدأ من التعليم؟
هذه المقالات ليست تنظيراً منعزلًا، بل سلسلة فكرية مترابطة تهدف إلى تفكيك مفاهيم الاستبداد، وليس نقد المستبد فقط.
ولأن التعليم هو البذرة الأولى، والحاضنة الكبرى للوعي القهري أو الحر، كان من الضروري أن نبدأ به.
ففي المقال التالي، سنقوم بتفكيك المنظومة التعليمية، لا كمناهج فقط، بل كبنية قيم وسلوك، وسننتقل تدريجيًا إلى مفاهيم المجتمع العلمي، والأخلاق، والسياسة، والمفهوم ذاته.
هذه السلسلة لا تبحث عن نتائج نهائية أو نظريات مغلقة، بل تحاول أن تعيد السؤال الأساسي:
كيف نفهم؟ وكيف نركّب وعينا؟ بغضّ النظر عن “ماذا نعرف؟”.
نتكلم هنا عن ماقبل التجربة، عن أن نفهم كيف نفهم، وماهي الآليات التي نفهم بها وكيف نركب أفكارنا قبل الوصول لأي نتيجة.
لماذا الآن؟ ولماذا سوريا؟
سوريا اليوم تعيش واقعًا سياسيًا ومعرفيًا غير مسبوق منذ عقود.
فقد تم فيها تجريف المفاهيم، وبناء جهل مركب، ثم جهل مقدّس يقدّسه الناس، ويعرفون هويتهم من خلاله.
إن هذه اللحظة هي فرصة تاريخية لمخاطبة الوعي الجمعي السوري والعربي فيما بعد الاستبداد.
ليكون مثالًا تحوّليًا لا في الجغرافيا فقط، بل في تجاوز العِرق والهوية نحو مستوى فوق-مادي.
إننا بحاجة لثورة توعوية، لا فقط سياسية.
نحتاج إلى تحرر من المفهوم، لا من الممارسة فقط.
نداء للقارئ – الخاتمة
لقد تم تقزيم الثقافة في الوعي الجمعي واختزالها في قوالب الترفيه: سينما، مسرح، شعر… ولا نبخس هذه الفنون حقها، لكنها ليست هي الثقافة وحدها. الثقافة أوسع بكثير، وأعمق من هذا السجن الضيّق الذي وُضعت فيه.
فأصل الحضارة فكرة.
ينتجها شخص، تلتف حوله عصبة تؤمن بها، تضغط، تؤثر، تشكل دولة أو تُلهم دولة، وتُنتج منتجات مادية تصبح مطلبًا عالميًا…
فتُصدَّر، وتتحول لحضارة.
ومن هنا، أدعو القارئ أن يكون شريكًا في صناعة هذه الحضارة، وبناء وعي جمعي جديد، لا يكون مجرد متلقٍّ، بل صانعًا للأثر.
