مقترح إحداث المعهد العالي للعلوم العقارية وبحوثها في سوريا

المهندس

محمد علاء الجفان

مقترح إحداث المعهد العالي للعلوم العقارية وبحوثها في سوريا

الكاتب : م. محمد علاء بسام الجفان

1- المقدمة

تُعد العلوم العقارية من المجالات المعرفية الحديثة التي أخذت بالانتشار في الجامعات والمعاهد العالمية خلال العقود الأخيرة، نتيجةً للأهمية البالغة التي يكتسبها القطاع العقاري في دعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة. فالقطاع العقاري يُعدّ اليوم أكبر قطاع اقتصادي غير نفطي في العالم، ومحركاً رئيساً لعجلة الاستثمار والبناء وتوفير فرص العمل، إضافةً إلى كونه عنصراً مؤثراً في التخطيط العمراني وتنمية المدن والمناطق السكنية والتجارية والصناعية. ومع هذا الانتشار العالمي، برزت الحاجة إلى تأصيل العلوم العقارية ضمن إطار علمي يجمع بين القانون والاقتصاد والهندسة والإدارة والتمويل، ويشكل منظومة متكاملة تستهدف تطوير الكفاءة في القطاع العقاري والمحافظة على استدامته.

2. مفهوم العلوم العقارية وتفرعاتها:

تشمل العلوم العقارية مجموعة واسعة من التخصصات النظرية والتطبيقية التي تهتم بدراسة العقارات بمختلف أنواعها واستخداماتها. ومن أبرز هذه الفروع:

  • التشريعات العقارية: دراسة القوانين والأنظمة التي تنظم ملكية العقارات واستثمارها وحمايتها.
  • العقود العقارية: بحث الأطر القانونية والحقوقية التي تضبط العلاقة بين الأطراف في عمليات البيع والإيجار والرهن والتطوير.
  • التمويل العقاري: تحليل أدوات التمويل والاستثمار وإدارة المخاطر المرتبطة بالمشروعات العقارية.
  • التسويق العقاري والوساطة العقارية: دراسة أساليب العرض والترويج والتفاوض وإدارة المبيعات العقارية.
  • التطوير العقاري: تخطيط المشاريع العمرانية الكبرى وتنفيذها، وتحويل الأراضي إلى مشاريع إنتاجية.
  • الاستثمار العقاري: تحليل جدوى المشروعات العقارية، وإدارة المحافظ الاستثمارية.
  • التقييم العقاري: تحديد القيمة السوقية العادلة للعقارات استناداً إلى أسس علمية ومؤشرات مالية واقتصادية.
  • إدارة العقارات وصيانتها: الحفاظ على الأصول العقارية، وإطالة عمرها الإنتاجي، وضمان استدامتها.

تُظهر هذه الفروع أن العلوم العقارية ليست مجرد مهنة تقليدية، بل هي علم متكامل يسهم في تطوير الاقتصاد الوطني وتحسين البيئة العمرانية.

3. واقع التعليم العقاري في سوريا:

رغم الدور الحيوي الذي يؤديه القطاع العقاري في التنمية، إلا أنّ التعليم الأكاديمي في هذا المجال ما يزال محدوداً وغير مؤسّس ضمن إطار علمي متخصص. ففي حين تُدرَّس بعض المفردات العقارية ضمن تخصصات جامعية محددة مثل كليات الاقتصاد، والحقوق، والهندسة المعمارية، وغيرها فإنّ هذه الجهود تبقى متفرقة وغير مترابطة، ولا تُشكّل تخصصاً أكاديمياً واضح المعالم، وفي ظل التحولات الاقتصادية والعمرانية التي تشهدها سوريا، تبرز الحاجة الملحة إلى إيجاد مؤسسة أكاديمية تعنى بالعلوم العقارية وبحوثها، لتكون مرجعاً علمياً ومهنياً يعزز البحث والتدريب العقاري، ويعمل على توحيد الرؤى والمعايير ويرفع كفاءة الكوادر الوطنية العاملة في هذا القطاع.

4. فكرة المقترح وأهدافه:

ينطلق مقترح إحداث المعهد العالي للعلوم العقارية وبحوثها من إدراكٍ لأهمية هذا القطاع في تحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة، ومن الحاجة إلى تأصيله علمياً ومهنياً في المجتمع السوري. إذ يهدف المعهد إلى:

  • تأصيل العلوم العقارية وتطوير الفكر العقاري العلمي في المجتمع السوري.
  • إعداد الكوادر البشرية المؤهلة أكاديمياً ومهنياً للعمل في المجالات العقارية المتنوعة.
  • إجراء الدراسات والبحوث العقارية التطبيقية لدعم السياسات العامة وتحسين أداء السوق العقاري السوري.
  • تطوير المعايير المهنية في مجالات التقييم والتطوير والاستثمار العقاري.
  • تأهيل مختصين معتمدين في السوق العقارية السورية ومنحهم شهادات أكاديمية ومهنية.
  • تنظيم الدورات والمؤتمرات والندوات العقارية لتبادل الخبرات ونشر المعرفة.

5. مهام المعهد المقترح، وبرامجه الأكاديمية:

من الممكن أن يُعنى المعهد بعدة مهام أساسية عند إحداثه، أهمها:

  • إنشاء برامج دراسات عليا (ماجستير ودكتوراه) في التخصصات العقارية المتنوعة.
  • تأسيس مراكز بحوث عقارية لدراسة التشريعات والسياسات العامة في مجالات الإسكان والاستثمار.
  • تطوير برامج تدريبية متخصصة للعاملين في القطاعين العام والخاص.
  • إصدار مجلة علمية محكّمة تُعنى بنشر الأبحاث العقارية المحكمة والممارسات الحديثة.
  • بناء قاعدة بيانات وطنية للمعلومات العقارية والبحوث الميدانية.
  • التعاون مع المؤسسات الدولية لتبني أحدث المناهج التعليمية وأفضل الممارسات في إدارة العقارات وتقييمها وصيانتها واستثمارها وغيرها من المجالات العقارية.

6. الشراكات المؤسسية المطلوبة لإحداث المعهد:

يتطلب إحداث المعهد تعاوناً وثيقاً بين بيوت الخبرة المحلية ذات العلاقة، وفي مقدمتها وزارة الأشغال العامة والإسكان السورية، الهيئة العامة للتطوير والاستثمار العقاري، نقابتي المهندسين والمقاولين السوريين، كليات الاقتصاد والحقوق والهندسة المعمارية في الجامعات السورية، إضافةً إلى الشركات والمؤسسات العقارية الخاصة، والباحثين المتخصصين. كما يتطلب إحداث المعهد أيضاً تعاوناً مع الجامعات والمعاهد الدولية التي تمتلك خبرة في مجال التعليم والبحث العقاري، إضافة إلى المؤسسات والشركات الدولية الناشطة في المجال العقاري، من أجل تطوير المناهج واستلهام أفضل التجارب الأكاديمية والمهنية.

7. الأثر الاقتصادي والاجتماعي والعلمي المتوقع عند إحداث المعهد:

من المتوقع أن يُسهم إحداث المعهد العالي للعلوم العقارية وبحوثها في تحقيق نتائج استراتيجية، منها:

  • رفع الكفاءة العلمية والمهنية للعاملين في القطاع العقاري.
  • تحسين الشفافية والحوكمة في السوق العقاري السورية.
  • تعزيز بيئة الاستثمار عبر بناء قاعدة معرفية واضحة المعايير.
  • المساهمة في إعادة الإعمار على أسس علمية واقتصادية مستدامة.
  • دعم التخطيط العمراني والإسكان وفق رؤى علمية ومؤشرات كمية دقيقة.
  • تحفيز التعاون بين المؤسسات الأكاديمية والقطاعين العام والخاص في قضايا التطوير والتنظيم العقاري.

 

8. نماذج عربية وعالمية رائدة في التعليم العقاري:

شهد العالم خلال العقود الأخيرة تطوراً ملحوظاً في التعليم العقاري، حيث برزت العديد من النماذج الأكاديمية والمهنية التي أسهمت في تطوير الفكر العقاري الحديث وربط المعرفة النظرية بالممارسة العملية. فعلى الصعيد العربي، يُعد المعهد العقاري السعودي أحد النماذج البارزة في هذا المجال، إذ أُسس تحت إشراف الهيئة العامة للعقار (REGA) ليكون الجهة الرسمية المعنية بالتأهيل المهني للعاملين في القطاع العقاري في المملكة العربية السعودية. ويقدّم المعهد برامج تدريبية متخصصة في الوساطة العقارية، والتقييم العقاري، والتسويق العقاري، وإدارة الأملاك، مع منح شهادات اعتماد مهني ترفع من كفاءة الممارسين وتدعم تنظيم السوق العقارية السعودية. وفي الإمارات العربية المتحدة، يُعد معهد دبي العقاري (DREI: Dubai Real Estate Institute) التابع لـدائرة الأراضي والأملاك في دبي نموذجاً رائداً في التعليم والتدريب العقاري على مستوى المنطقة، حيث يقدم برامج تعليمية مهنية وأكاديمية متقدمة، ويُعد الذراع التعليمية الرسمية للقطاع العقاري في إمارة دبي، إذ يسهم المعهد في إعداد الكوادر المتخصصة في التخصصات العقارية، ويُعتمد من قبل العديد من الهيئات الدولية المتخصصة في القطاع العقاري.
أما على الصعيد العالمي، فيبرز مركز ماساتشوستس للتطوير العقاري (MIT Center for Real Estate) في الولايات المتحدة الأمريكية كأحد أعرق المؤسسات الأكاديمية المتخصصة في الدراسات العقارية، إذ تأسس المركز عام 1983 ضمن معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، ويُعد أول مؤسسة أكاديمية عالمية دمجت بين مفاهيم الاقتصاد والهندسة والإدارة في تحليل وتخطيط وتطوير العقارات، ويقدّم برامج ماجستير ودكتوراه في التمويل العقاري والتطوير الحضري وإدارة الأصول. وفي كندا، يُعتبر معهد التعليم العقاري الكندي (REIC: Real Estate Institute of Canada) مؤسسة مهنية رائدة تسهم في رفع مستوى المعرفة العقارية، إذ يقدم برامج اعتماد وتدريب متخصصة في التقييم، وإدارة الأملاك، والاستثمار العقاري، ويمنح شهادات مهنية معترفاً بها دولياً مما يعزز مكانته كجهة مرجعية في التعليم العقاري المهني في أمريكا الشمالية. وفي سويسرا فيُعد مركز جامعة زيورخ العقاري (CUREM: Center for Urban & Real Estate Management) نموذجاً أكاديمياً متميزاً يربط بين البحث العلمي والممارسة التطبيقية، إذ يقدم المركز برامج ماجستير تنفيذية في إدارة وتطوير العقارات الحضرية، ويُعنى بتأهيل القيادات والمهنيين في القطاعين العام والخاص، من خلال مناهج تجمع بين الإدارة المالية والتخطيط الحضري والابتكار في التنمية العقارية. تظهر هذه النماذج العربية والعالمية مجتمعة أهمية التعليم العقاري كرافعة للتنمية الاقتصادية والعمرانية، وتؤكد أن تأسيس معهد وطني سوري للعلوم العقارية وبحوثها يشكل خطوة استراتيجية لتعزيز كفاءة القطاع العقاري في سوريا، ونقله من الممارسة التقليدية إلى الإطار العلمي والمنهجي الحديث بما يواكب المعايير الدولية في التعليم والتأهيل العقاري.

9. الخاتمة:

إنّ إحداث المعهد العالي للعلوم العقارية وبحوثها يُعدّ خطوة استراتيجية نحو تأسيس منظومة معرفية وطنية متكاملة لتطوير القطاع العقاري السوري. فهو ليس مجرد مشروع تعليمي، بل منصة علمية ومهنية تهدف إلى بناء القدرات البشرية، وتنظيم السوق، وتعزيز الشفافية، وإرساء معايير مهنية موحدة تواكب التطورات العالمية. ومن خلال هذا المعهد، يمكن لسوريا أن تمتلك مرجعاً وطنياً رائداً في التعليم والبحث العقاري، يسهم في دعم التنمية المستدامة، ويعزز الدور الريادي للمهندسين السوريين في بناء مستقبل عمراني واقتصادي متطور.