مجلة المهندسين السوريين – العدد الثالث
التحول الرقمي في سوريا: شراكة وطنية بين المؤسسات الحكومية والنقابة وخبرات المغتربين
لا يمكننا اليوم، ونحن نطل على مستقبل مدننا ومؤسساتنا، أن نتجاهل حقيقة مؤلمة وواقعاً ملموساً، يتمثل في التحديات التقنية الجسيمة وضعف البنية التحتية الرقمية التي تعاني منها معظم مؤسساتنا الحكومية والمحلية في سوريا. فهذه المؤسسات لا تزال ترزح تحت وطأة الأنظمة الورقية المتقادمة، وشبكات المعلومات غير الموحدة، وغياب التكامل بين قواعد البيانات، وضعف البنى التحتية للاتصالات والشبكات الداخلية، إضافة إلى ندرة الكوادر المؤهلة تقنياً وإدارياً، وانتشار التحديات المرتبطة بالملكية الفكرية وحماية البيانات. هذا الواقع يجعل عملية اتخاذ القرار بطيئة، ويرفع كلف التشغيل، ويحول دون تحقيق الشفافية والعدالة في تقديم الخدمات العامة، بل ويفاقم من تحديات الفساد والرشوة التي تغذيها البيئة الورقية غير القابلة للتتبع والتدقيق.
وهنا تبرز الحاجة الماسة إلى منهجية استراتيجية للتحول الرقمي الذكي، لا تقوم على الحلول المؤقتة أو الأتمتة الجزئية، بل على رؤية شاملة ومتكاملة تضع الإنسان والبيانات في قلب العملية، وتؤسس لبنى تحتية معلوماتية قادرة على استيعاب متطلبات المدن الحديثة وإدارة الكوارث وتحقيق الاستدامة. إن التحول الرقمي الناجح يحتاج إلى خارطة طريق واضحة، تبدأ من تقييم الواقع، وترقيم المؤسسات، وبناء أنظمة متوافقة، وصولاً إلى الاعتماد على التقنيات المتقدمة في المسح والتحليل والذكاء الاصطناعي.
وفي هذا السياق، كان لمشاركة فريق “حلب الكبرى – المسار التكنولوجي” في فعاليات الدورة الثانية عشرة من معرض سيريا هايتك 2026 وقع خاص وأهمية بالغة، حيث قدّم الفريق منهجية عمل تطبيقية نموذجية لحل التحديات التشغيلية في مجلس مدينة حلب، انطلاقاً من رؤية طموحة لتوأمة رقمية (Digital Twin) شاملة. واستلهم الفريق في منهجيته تجربة مدينة فرانكفورت الألمانية الرائدة، التي اعتمدت على الأساس الموحد للبيانات، فبدأوا بمقترح ترقيم جميع المؤسسات لتحضيرها للربط الإلكتروني، وبناء نطاق موحد (Active Directory)، ودرسوا قراراً جريئاً بالتحول إلى الأنظمة مفتوحة المصدر مثل (Linux Zorin) لضمان الأمن السيبراني والاستقلالية التقنية، معتمدين على تقنيات المسح الليزري والتصوير البانورامي ثلاثي الأبعاد، لإنشاء قاعدة بيانات جغرافية شاملة للأبنية والبنية التحتية، وتوحيد منصة المعلومات الجغرافية عبر (Q GIS). ولم تقف المنهجية عند الجانب التقني فحسب، بل شملت أيضاً بناء الثقة بين المؤسسات، وتدريب الكوادر البشرية، والاستفادة من مشاريع التخرج والمعسكرات التدريبية، وإبرام مذكرات تفاهم داعمة لتطوير أنظمة إدارة الشكاوى وتعزيز الشفافية.
وإننا في هذا العدد، وبمناسبة هذا الحدث الوطني الكبير، لا بد أن نسلط الضوء على الدور المحوري المناط بنا كمجلة مهندسين، وبالمهندسين أنفسهم، ونقابتهم العريقة، وخبرات أبنائنا المغتربين، في دفع عجلة هذا التحول الرقمي الذي لم يعد ترفاً تقنياً، بل أصبح ضرورة وجودية لاستعادة دور سوريا الريادي.
أولاً:
المهندسون هم قادة التحول وليسوا مجرد مستخدمين: لقد حان الوقت لتجاوز النظرة التقليدية التي تحصر دور المهندس في التصميم والتنفيذ المادي. مهندس اليوم مطالب بأن يكون مهندس بيانات، وخبير أمن سيبراني، ومصمم أنظمة متكاملة، ومخططاً رقمياً للمدن. فمن خلال أدوات مثل التوأمة الرقمية، يمكن للمهندس المدني أن يحاكي تأثير الزلازل على الأبنية قبل حدوثها، ولمهندس الكهرباء أن يدير شبكات التوزيع بكفاءة لحظية، ولمهندس الاتصالات أن يبني شبكات مقاومة للاختراقات. التحول الرقمي يمنح المهندس السوري أدوات جديدة لممارسة مهنته بدقة وسرعة وكفاءة غير مسبوقة، ويخرجه من عنق الزجاجة البيروقراطي إلى فضاء الابتكار والإبداع.
ثانياً:
دور نقابة المهندسين السوريين كحاضنة وراعية: إن ما تحقق في ورشة عمل حلب الكبرى، بمشاركة فرع النقابة ولجنة المعلوماتية فيها، هو نموذج يحتذى به للدور الذي ينبغي أن تلعبه النقابة على المستوى الوطني. النقابة ليست مجرد جهة مانحة للإجازات، بل هي المظلة العلمية والمهنية القادرة على توحيد الجهود، واعتماد المعايير الوطنية للتحول الرقمي في المشاريع الهندسية، ووضع ضوابط الملكية الفكرية التي تحمي مشاريع التخرج والكوادر الشابة، والتصدي بشراسة لمحاولات الفساد في المشاريع التقنية من خلال وضع أنظمة رقابية شفافة. كما أن على النقابة واجباً في إعادة هيكلة التعليم والتدريب المستمر، لتأهيل جيل من المهندسين يجيد لغات البرمجة وتحليل البيانات وإدارة المشاريع الرقمية، تماماً كما يتقن قوانين البناء والفيزياء.
ثالثاً:
خبرات المغتربين السوريين كنافذة على العالم وشراكة حقيقية: لا يمكن الحديث عن نقلة نوعية في هذا المجال دون الإشادة والتأكيد على الدور الأساسي لخبرات المهندسين السوريين المغتربين، الذين يمتلكون اليوم تجارب متراكمة في أكبر المدن الذكية حول العالم، ومنها مدينة فرانكفورت الألمانية التي استلهمنا تجربتها، أو مدن دبي، وسنغافورة، ولندن. هؤلاء المغتربون يشكلون كنزاً وطنياً من المعرفة والاتصالات الدولية، وهم الحلقة الأقوى لجلب الشراكات الأجنبية ونقل التكنولوجيا، فضلاً عن قدرتهم على الإشراف عن بعد، وتدريب الكوادر المحلية عبر المنصات الإلكترونية، والاستثمار في الشركات الناشئة التقنية التي عرضت منتجاتها في معرض سيريا هايتك. إن دعوتهم للمشاركة في فرق العمل، وفتح قنوات التواصل معهم عبر المنصات الرقمية، وتيسير آليات نقل خبراتهم، كلها خطوات لا تقل أهمية عن ترميم جسر متهدم. فالمغترب السوري ليس مجرد عابر، بل شريك مؤسس في بناء سوريا الرقمية، وهو قادر على حماية الأكواد والبيانات الوطنية بمعايير عالمية، وتدريب المواهب الشابة، وربط المؤسسات السورية بأحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا في ألمانيا وسائر الدول المتقدمة.
إن التحول الرقمي لم يعد رفاهية أو خياراً ثانوياً، بل هو أولوية وطنية استراتيجية لا تقل أهمية عن أي مشروع بنية تحتية مادية. فهو السبيل إلى بناء إدارة حديثة، وتحسين جودة حياة المواطنين، وخفض الكلف العامة، وتعزيز الاستدامة وإدارة الكوارث، وفتح آفاق جديدة للشراكة ونقل المعرفة. ونحن في مجلة “المهندسين السوريين”، إذ نثمن عالياً جهود فريق حلب الكبرى، نؤكد أن هذه الرؤية تحتاج إلى تضافر جهود الجميع: المهندسين في مواقعهم، والنقابة كحاضنة ومؤسسة جامعة، والمغتربين كسفراء للمعرفة، والجامعات كمنابع للإبداع. المستقبل الرقمي لسوريا يُكتب اليوم بأيدي مهندسيها، وفي هذا العدد نفتح صفحاتنا لكل تجربة ناجحة، وكل فكرة مبتكرة، وكل مبادرة وطنية تخدم هذا الهدف السامي. فلنعمل جميعاً من أجل سوريا رقمية ذكية، تليق بتاريخها وحاضرها، وتصنع مستقبلها بأيدي أبنائها المهندسين، أينما كانوا.
