الجزء الثاني
بقلم د.م. محمد أنس دقاق
المقدمة
في الجزء الثاني من مقاله شبكة الاتصالات الخليوية في سوريا – نظرة على الواقع وفرص النهضة المستقبلية، نتطرق إلى بعض الخدمات المصاحبة لشبكات الاتصالات مع ذكر بعض الأمثلة والتجارب حول العالم والتي يمكن الاستفادة منها وتطويرها بما يخدم الواقع في سوريا.
نركز في هذا المقال على الخدمات التي تعتمد بشكل أساسي على البيانات المُستقاة من شبكات الاتصالات والتي إذا أحسن تجميعها وتحليلها فيمكن أن تكون عاملاً حاسماً وغير تقليدي، لتسريع عملية البناء والتعافي بعد التحرير.
قبل أن نبدأ، لنوضح باختصار أهميه بيانات شبكات الاتصالات وما صفاتها ومن أين يمكن تجميعها وتحليلها.
تركيبة شبكة الاتصالات الخلوية والبيانات المُستقاة منها
شبكة الاتصالات الخلوية هي نظام معقد ومتكامل يتكون من مجموعة من المكونات التقنية المترابطة التي تعمل معًا بتناغم لتوفير خدمات الاتصالات اللاسلكية للمستخدمين. تعتمد هذه الشبكة على مفهوم تقسيم المناطق الجغرافية إلى خلايا صغيرة، ومن هنا جاءت تسميتها بالشبكة “الخلوية”.
يمكن تقسيم شبكة الاتصالات الخلوية إلى قسمين رئيسين كما هو موضح في الصورة (1). الجزء الأول هو شبكة الوصول الراديوية Radio Access Network (RAN) وهو الجزء المسؤول عن إرسال واستقبال موجات الراديو بين الأجهزة الخليوية وشبكة الاتصالات. كل خلية جغرافية يتواجد بها محطة بث ترسل وتستقبل الإشارات من الأجهزة الخلوية المتواجدة ضمن حدود تغطية كل خلية.
الجزء الثاني هي الشبكة الداخلية Core Network (CN) وهي مسؤولة عن توفير الخدمات الداخلية الداعمة كتسجيل المستخدمين والتأكد من أحقيتهم لاستخدام الشبكة. يتم التأكد من أحقية الجهاز لاستخدام الشبكة عن طريق التحقق من معلومات شريحة الاتصالات (IMSI) التي تعطى للمستخدم بناء على تسجيل مسبق يحتوي معلومات المستخدم الشخصية، وأيضاً بناء على الرقم المتسلسل لجهاز الاتصال (IMEI) الذي يتم تسجيله من الشركة المشغلة لخدمة الاتصالات. في حال كان جهاز الاتصال او الشريحة مرتبطان بشركة أخرى (مثال على ذلك: تلفون أو شريحة تابعة لمشغل في لبنان أو تركيا) فإن معلومات الشريحة وجهاز الاتصال يتم تسجيلها للتأكد من أحقيتها لاستخدام الشبكة ومحاسبة المستخدم بحسب نوع وتعرفه الخدمة التي قدمت له بشكل أوتوماتيكي عندما يدخل الجهاز ضمن تغطية الشركة من خلال تبادل المعلومات بين جهاز الاتصال والشبكة.
بيانات شبكات الاتصالات الخليوية: أنواعها ومحتوياتها
بالإضافة للبيانات التي تم جمعها والمسجلة عند التحقق من أحقية المستخدم لاستخدام شبكة الاتصالات، يتم تسجيل بيانات استخدام شبكة الاتصالات والتي ترتبط بقواعد التراسل (signaling procedures) بين الشبكة والجهاز المستخدم. من الأمثلة على قواعد التراسل: النداء (paging)، ويتم عندما يقوم رقم بالاتصال برقم اخر، ففي هذه الحالة يتم تسجل رقم المتصل، رقم المتصل به، وقت الاتصال، مكان وجود المتصل والمتصل به وزمن الاتصال. من الأمثلة الأخرى لقواعد التراسل: تسجيل المكان (location update) ويتم عندما يقوم جهاز الاتصال بالتنقل من منطقة لأخرى لها معّرف مختلف (معّرف المنطقة يستخدم عاده لتأطير المناطق. كمثال: منطقة دوما لها معرّف مختلف عن منطقة حرستا، فعندما يتحرّك جهاز الاتصال من دوما لحرستا فإنه يرسل إشارة لتسجيل مكانه في حرستا).
البيانات المستخلصة من أجهزة الاتصال تسجل ضمن تطبيقات الشبكة الداخلية وأيضاً في جهاز الإدارة المستخدم في شبكة الراديو. هذه البيانات متنوعة، ولكن نذكر هنا أهمها كما هو موضح بالصورة (2):
- بيانات الاتصال التفصيلي ((Call Detailed Record (CDR): تستخرج من تطبيق المحاسبة (charging application) في الشبكة الداخلية. تُجمع هذه البيانات عادة عند الاتصال وتشمل رقم المتصل، رقم المتصل به، تاريخ الاتصال ومدته.
- بيانات الموقع (Home Location Register): وهي قاعدة بيانات تتضمن المنطقة التي يتواجد فيها جهاز الاتصال.
- بيانات المستخدمين والأجهزة (Equipment Information Register and Visitor Register): وهي أيضاً قاعدة بيانات تتضمن معرفات الأجهزة ومستخدميها. تشمل أيضاً الأجهزة القادمة من شبكات أخرى.
- بيانات شبكة الراديو: وتشمل المعلومات المجمّعة من شبكة الراديو في جهاز الإدارة. تستخدم عادة لمعرفة أداء الشبكة، ولكن تحتوي معلومات عن أجهزة الاتصال مثل وقت الاتصال ومدته.
استخدام بيانات شبكات الاتصالات
تستخدم بيانات شبكات الاتصالات في المقام الأول من قبل مشغلي الشبكة للأغراض التشغيلية والصيانة Operations and maintenance (O&M) ومعرفة جودة الخدمة المقدمة لمستخدم الشبكة. وأيضاً تساعد هذه البيانات في الأمور الجنائية والأمنية. لذاك بعض الدول لها تشريعات لحفظ بيانات الاتصال لفترة زمنية، مثالاً على ذلك يفرض الاتحاد الأوربي على كل مشغل شبكة أن يحتفظ ببيانات الاتصال التفصيلي لمده لا تقل عن ستة أشهر ولا تزيد عن سنتين.
ولكن في الحالة السورية، هناك محورين رئيسين من خلالهما يمكن لبيانات شبكات الاتصالات أن تصبح عاملاً مهماً لتسريع عملية التعافي بعد التحرير وأيضاً عاملاً اقتصادياً فاعلاً.
المحور الأول: التخطيط العمراني وتطوير المدن
يُقدَّر عدد خطوط الهواتف المحمولة في سوريا في نهاية عام 2025 بأكثر من 19.5 مليون خط، وهو ما يشير إلى أن 78% من عدد السكان يستخدم خط تلفون محمول. وبالتالي فإنه بعد التحرير وخلال عام 2025 ازداد عدد السكان المستخدمين بنسبه 6% وهو ما يمثل تصاعداً سريعاً لعدد المستخدمين، وعليه يمكن التنبؤ بأن نسبة مستخدمي الشبكة الخلوية خلال عام2026 سوف تجاري ما كانت عليه عام 2018 عندما بلغت 87% من عدد السكان.
هذه النسبة تجعل من كل جهاز خليوي مصدراً للبيانات يدل على مكان وجود حامله ومناطق تنقله وهو ما حفز الكثير من الباحثين للنظر في استخدام بيانات شبكات الاتصالات في التخطيط العمراني وإدارة حركة السير.
هناك الكثير من الأبحاث التي نشرت خلال العقد الماضي، نذكر منها على سبيل المثال البحث المنشور في مجله ACM Computing Surveys والمقدم من باحثين أكاديميين وباحث من شركه IBM ، الذي عدد مجموعة من استخدامات بيانات الشبكة، وخاصة بيانات ال CDR ، لتحديد أماكن تجمع السكان والتغيرات التي تطرأ عليها خلال أيام الأسبوع المختلفة وأيضاً خلال ساعات اليوم.
مثال آخر: البحث المنشور عام 2025 في مجلة Journal of Transport Geography عن استخدام بيانات الشبكة لتحديد أنماط التنقل في منطقتي هلسنكي والولو الفنلنديتين (الصورة رقم 3 مأخوذة من الدراسة وتوضح نمط التنقل بمنطقة هيلسنكي للمشاة، راكبي الدراجات والسيارات وأيضا المواصلات العامة). الدراسة استخلصت أن بيانات الشبكة تساعد بشكل دقيق على تحديد أنماط التنقل ومواعيدها وبذلك يمكن أن تسهم في تخطيط المدن مع الأخذ بعين الاعتبار العوامل البيئية.
تستخدم عدة دول بيانات الاتصالات لتحديد التجمعات السكانية وتغيرها. وكمثال على ذلك ما نشرته مؤسسة الإحصاء الهولندية حديثاً عن طريقتها المقترحة لاستخدام البيانات مع الأخذ بعين الاعتبار لخصوصية المستخدمين وبياناتهم الشخصية عند تحليل البيانات. مثال آخر من إندونيسيا حيث تستخدم بيانات الاتصالات في مدن مختلفة للتخطيط العمراني كمنطقة ميدان الواقعة شمالي سومطرة، وأيضاً لمتابعة أهداف التنمية المستدامة بالتعاون بين شركات الاتصالات الإندونيسية ومؤسسة الاتصالات الدولية
بناء على الأمثلة السابقة وبالنظر إلى الحالة السورية، يمكن أن تعطي هذه البيانات فكرة جيدة وإن لم تكن دقيقة جداً، عن توزيع السكان وتنقلاتهم من دون الحاجة إلى عمل جولات ميدانية وإحصاءات مكلفة، على الأقل في المرحلة الراهنة، وهو ما قد يسهم بشكل سريع في دعم دراسات إعادة الإعمار وترسيم الطرق.
المحور الثاني: الرؤية كخدمة Insights as a Service
قبل شرح ما نعنيه بالرؤية كخدمة، دعنا نأخذ مثالاً بسيطاً: يريد تاجر تحف شرقية أن يفتح محلاً جديداً ويريد معرفة الموقع الأنسب للمتجر. وبإمكان التاجر أن يأخذ آراء الناس من تجار وأصدقاء لتكوين فكرة عن الخيارات المتاحة، تبقى هذه المعلومات مبنية على آراء وتجارب شخصية وليست بالضرورة دقيقة وحقيقية. لهذا السبب فإن بيانات الشبكة تعطي فكرة دقيقة عن حركة الناس بما فيهم السيّاح، إذ من الممكن معرفة أماكن تواجد السيّاح، حركتهم وعددهم من خلال معرفة مصدر الشريحة المستخدمة عند تسجيلها على شبكة Syriatel أو MTN.
لأجل ذلك تُعنى “الرؤية كخدمة” بتوفير بيانات الشبكة بعد تنقيحها وتحليلها لمن يمكن أن يستفيد منها كتاجر التحف الشرقية، الذي سيكون بإمكانه معرفة المزيد عن تواجد السيّاح، وبناء على هذه البيانات يستطيع أخد قرار بشكل أفضل من اعتماده على الآراء الشخصية.
حسب دراسة مؤسسة Verified Market Research، يبلغ حجم سوق بيانات شبكات الاتصالات حوالي 1,5 بليون دولار عام 2024، ويتوقع أن يشهد نمواً بمقدار 18.5% حتى عام 2032 ، وهي زيادة كبيرة جداً إذا أخذنا بعين الاعتبار أن نمو سوق شبكات الراديو لم يتعدَّ ال 1% خلال أكثر من عقدين، تحديداً بين عام 2000 وعام 2023 .
بالنظر أيضاً إلى أن سورية حالياً في طور استقبال استثمارات خارجية، فمن الأهمية بمكان توفير معلومات دقيقة وشفافة للمستثمرين وأصحاب القرار، وتبرز هنا أهمية بيانات شبكات الاتصالات كمرجع دقيق وموثوق، وأيضاً يوفر دخلاً جديداً لشركات الاتصالات والدولة السورية إذا أُحسن تقديم هذه البيانات بشكل يساعد على اتخاذ قرارات تعتمد على معلومات واقعية، أو ما يعرف بـ Data Driven Decision Making (DDDM).
من التجارب الملهمة في هذا المجال تجربة شركة Vodafone البريطانية التي توفر الرؤية كخدمة لعملائها من التجار وشركات الإعلانات والباحثين عن عقارات وغيرهم، وهي خدمة أطلقت حديثاً في عام 2025. الصورة (4) مأخوذة من موقع الشركة وتوضح بعض خدمات الرؤية التي توفرها، كمعرفة كثافة الحركة بالمناطق المحيطة بأماكن التسوق.
https://www.verifiedmarketresearch.com/product/telco-data-monetization-market/
https://www.delloro.com/market-research/telecommunications-infrastructure/mobile-radio-access-network/
https://vb2b.vodafone.com/business/products/cloud-and-edge/cloud-services/analytics-and-insights/vodafone-analytics#appearance-primary-0
https://vb2b.vodafone.com/business/products/cloud-and-edge/cloud-services/analytics-and-insights/vodafone-analytics#appearance-primary-0
مثال آخر شركة Orange Business الفرنسية التي توفر لعملائها خدمة تسمى Flux Vision لمساعدة عملائها بناء على بيانات الشبكة .
تجدر الإشارة هنا إلى أن توفير بيانات شبكة الاتصالات في محوري تطوير المدن والرؤية كخدمة لا يرتبط بتطوير تقنية شبكة الاتصالات وإضافة الجيل الرابع أو الخامس. وكما ذكرنا في الجزء الأول من هذه السلسلة، فإن تغطية التقنية الحديثة مثل الجيل الرابع والخامس 4G and 5G ما زالت محدودة في سوريا، بينما يغطي الجيل الثاني والثالث 2G and 3G غالبية الجغرافيا السورية. ولكن بيانات الشبكة المستخلصة من الجيل الثالث كافية كبداية في المحورين السابقين حيث يمكن استخلاص بيانات ال CDR وغيرها مما اسلفنا من الجيل الثالث.
ويجب أن ننوه أيضاً إلى أن استخلاص بيانات شبكة الاتصالات والاستفادة منها يجب أن يراعي خصوصية الأفراد وبياناتهم الشخصية حيث يجب إزالة أي معرف شخصي من هذه البيانات قبل معالجتها وتحليلها.
الخلاصة
يتناول هذا المقال وهو الجزء الثاني عن واقع شبكة الاتصالات الخلوية في سوريا وفرص النهضة المستقبلية، كيفية الاستفادة من البيانات المستخلصة من شبكات الاتصالات كعامل غير تقليدي لتسريع عملية التعافي والبناء بعد التحرير.
تولد شبكات الاتصالات أنواعاً مختلفة من البيانات مثل بيانات الاتصال التفصيلي وبيانات الموقع والمستخدمين. مع وجود أكثر من 19.5 مليون خط محمول في سوريا يمثلون 78% من السكان، فإن كل جهاز خلوي يصبح مصدراً للبيانات التي تدل على أماكن التجمعات السكانية وتنقلاتهم.
هناك محورين رئيسين للاستفادة من هذه البيانات، كما هو مضح في الصورة (5): الأول هو التخطيط العمراني وإدارة حركة السير، حيث يمكن استخدام البيانات في دراسات إعادة الإعمار وترسيم الطرق دون الحاجة لإحصاءات ميدانية مكلفة، والثاني هو تقديم الرؤية كخدمة للمستثمرين والتجار لاتخاذ قرارات مبنية على معلومات واقعية.
في الجزء الثالث والأخير من هذه السلسلة سوف نركز على دور الجهة الناظمة للاتصالات لدفع عملية تطوير شبكات الاتصالات السورية، وتحفيز الاستثمار في قطاع الاتصالات لخلق سوق تنافسي يتطور بشكل مستمر، مع الأخذ بعين الاعتبار حقوق المستخدمين وحاجاتهم.
