حل الشركة العامة للدراسات: مدخل ضروري لإصلاح المهنة الهندسية و إطلاق إعادة الإعمار

بقلم: المهندس بسام السبع

تدخل سوريا اليوم مرحلة مفصلية عنوانها إعادة الإعمار والتحول نحو اقتصاد أكثر انفتاحاً، وهي

مرحلة لا يمكن أن تدار بعقلية وأدوات تعود إلى اقتصاد مقيد ومركزي أُنشئ لظروف سياسية

واقتصادية تجاوزها الزمن. وفي قلب هذا التناقض تقف الشركة العامة للدراسات الهندسية كنموذج

مؤسسي لم يعد منسجماً لا مع متطلبات المرحلة القادمة، ولا مع مصلحة المهنة الهندسية، ولا مع دور

نقابة المهندسين السوريين.

إن الإشكالية لم تعد محصورة في ضعف الأداء أو الحاجة إلى إصلاح إداري جزئي، بل أصبحت

إشكالية وجود ووظيفة. فالشركة العامة للدراسات، بصيغتها الحالية، تمثل تضارباً بنيوياً في الأدوار،

حيث تجتمع في جهة واحدة مهام الدراسة والتصميم والتدقيق والإشراف والاستلام، وهو ما يتناقض مع

أبسط مبادئ الحوكمة المهنية التي تفصل بين من ينتح العمل ومن يقيمه ومن يراقب جودته.

هذا التضارب لا يضر فقط بالمكاتب الهندسية الخاصة، بل ينعكس سلباً على دور نقابة المهندسين

نفسها، إذ يفرغها من أحد أهم أدوارها التنظيمية والمهنية، ويحول سوق العمل الهندسي إلى سوق غير

تنافسي، تغلق فيه الأبواب أمام المبادرة الفردية والإبداع والتطوير. فكيف يمكن لمهندس مستقل أو

مكتب هندسي مرخص أن ينافس جهة حكومية تمتلك الامتيازات، وتحصل على المشاريع مباشرة،

وتعمل خارج منطق السوق الحقيقي؟

الأخطر من ذلك هو البعد الأخلاقي والمهني لمسألة التوقيع والمسؤولية. من غير المنطقي، ولا المقبول

مهنياً، أن يحمل مهندس موظف في جهة عامة مسؤولية التوقيع على كشوف أو أعمال أو استلامات

ترتبط بمشاريع ذات قيم مالية ضخمة، في حين أن دخله الشهري لا يتناسب إطلاقاً مع حجم هذه

المسؤولية. هذا الوضع لا يشكل ظلماً للمهندس فحسب، بل يفتح الباب، بحكم الواقع لا النوايا، لمخاطر

تمس المال العام وجودة التنفيذ، لأن المسؤولية المهنية يجب أن تقابل دائماً بأتعاب عادلة واستقلالية

واضحة.

وعند الحديث عن الأتعاب، لا يمكن تجاهل الفجوة الكبيرة بين ما يحصل عليه المهندس السوري وما هو

معمول به في الدول التي نجحت في بناء قطاع هندسي متطور. فالأتعاب المحدودة، والمقيدة بسقوف

منخفضة، لا تسمح للمهندس بتطوير أدواته، ولا بالاطلاع المستمر على الكودات العالمية، ولا بحضور

المعارض والمؤتمرات، ولا حتى بتأمين الاستقرار المادي الذي يعد شرطاً أساسياً للإبداع. إعادة

الإعمار ليست مجرد عملية بناء، بل عملية معرفية وتقنية تحتاج إلى مهندس متفرغ، مطمئن مادياً،

ومحفز على الابتكار.

إن الإبقاء على الشركة العامة للدراسات هو استمرار عملي لسياسات تعود إلى مرحلة الاقتصاد الموجه،

حيث كان التوظيف الواسع في القطاع العام يستخدم كأداة للسيطرة الاجتماعية وخلق بطالة مقنعة، لا

كوسيلة إنتاج حقيقية. هذه السياسات، التي ورثناها عن أنماط حكم شمولية، أثبتت فشلها اقتصادياً ومهنياً،

وهي تتناقض اليوم مع أي حديث جدي عن اقتصاد حر أو تنافسي أو عن شراكة حقيقية مع القطاع

الخاص.

 

 

غير أن الانتقال إلى نموذج أكثر انفتاحاً وكفاءة لا يعني إطلاقاً خسارة الكوادر والخبرات التي راكمتها

الشركة عبر عقود، ولا قطع أرزاق العاملين فيها، بل على العكس يمكن أن تشكّل فرصة لإعادة توظيف

هذه الطاقات ضمن مسارات أكثر فاعلية للدولة والمجتمع. فجزء من هذه الكفاءات يمكن أن يشكل نواة

لمكاتب دراسات واستشارات هندسية متخصصة تعمل وفق معايير السوق المهنية وتشارك في مشاريع

إعادة الإعمار، بينما يمكن الاستفادة من قسم آخر ضمن الجهات العامة التي تعاني أصلاً نقصاً في

الكوادر الفنية، كمديريات الخدمات والبلديات وهيئات التخطيط العمراني والإشراف على المشاريع.

كما يفتح التحول نحو الإدارة الرقمية والحكومة الإلكترونية مجالاً واسعاً لتوظيف الخبرات الهندسية

والإدارية في بناء قواعد بيانات وطنية للمخططات والأصول العامة وأتمتة الملفات الهندسية للدولة

وربطها بأنظمة الترخيص والرقابة. ويمكن كذلك الاستفادة من البنية التحتية والأصول التي تمتلكها

الشركة حالياً، من مبانٍ وتجهيزات وخبرات تنظيمية، لتكون نواة لمنصات البيانات والخدمات الهندسية

الرقمية التي تحتاجها الدولة في مرحلة إعادة الإعمار والتحول نحو الإدارة الحديثة.

وفي موازاة ذلك، يتطلب الانتقال إلى هذا النموذج وضع إطار مؤسسي وتنظيمي واضح لمرحلة ما بعد

الشركة العامة للدراسات، يقوم على اعتماد مكاتب دراسات استشارية مرخصة ومصنفة حسب

الاختصاص والخبرة، تتنافس على إعداد الدراسات والتصاميم للمشاريع العامة وفق آليات شفافة. وفي

المقابل تحتفظ الدولة بدور رقابي فني مستقل يقوم على التدقيق وضبط الجودة دون أن يكون طرفاً منفذاً

للدراسات. ويتطلب هذا التحول أيضاً مراجعة التشريعات الناظمة التي تحيل المشاريع الكبرى حكماً إلى

الشركة العامة للدراسات، بحيث يتم تعديلها بما يفتح المجال للمنافسة المهنية المنظمة تحت إشراف

الجهات المختصة ونقابة المهندسين.

وفي السياق نفسه، لا بد من إعادة النظر في القيود المفروضة على المهندس العامل في الدولة، ومنحه

الحق، بضوابط واضحة تمنع تضارب المصالح، في ممارسة عمله المهني الخاص، أسوة بما هو معمول

به في مهن أخرى كالمهنة الطبية. هذا الإجراء لا يحسن دخل المهندس فقط، بل يرفع من مستوى

الخبرة العامة في السوق، ويخدم مصلحة إعادة الإعمار بشكل مباشر.

لقد أثبتت التجارب العالمية أن النهضة الاقتصادية تبدأ من تمكين العقول الهندسية، ومنحها الحرية

والمسؤولية معاً. فالمهندس ليس منفذاً تقنياً فحسب، بل هو صانع حلول، وبداية أي مشروع تنموي

حقيقي. ولا يمكن لسوريا أن تدخل مرحلة إعادة الإعمار بعقلية تقيد المهندس، وتحتكر عمله، وتضعه

في موقع الموظف المقيد بدل الشريك المنتج.

من هنا، فإن حل الشركة العامة للدراسات لم يعد خياراً فكرياً أو مطلباً فئوياً، بل ضرورة وطنية

لإصلاح المهنة الهندسية، وإعادة الاعتبار لنقابة المهندسين السوريين، وفتح الطريق أمام جيل جديد من

المهندسين القادرين على قيادة مرحلة الإعمار بكفاءة واستقلالية وإبداع