حرائق الغابات ودور الطائرات المسيرة UAV وثورة الذكاء الصناعي في حماية الغلاف الحيوي
المقدمة :
أولًا : التحليل البيئي لحرائق الغابات
ارتفع معدّل الحرائق بنسبة تتجاوز 60% خلال العقد الأخير، مع تسجيل آلاف الهكتارات المحترقة سنوياً، وذلك حسب ما أشارت بإليه وزارة الزراعة وفق بياناتها الإحصائية .
يُعزى هذا الارتفاع لعوامل مناخية وبشرية متشابكة :
- التغير المناخي وتراجع معدلات الرطوبة النسبية.
- الرياح الجبلية الجافة التي تؤدي إلى انتشار النار بسرعة في التضاريس المنحدرة.
- الأنشطة البشرية كالتوسع العمراني غير المنظم في محيط الغابات.
من منظور بيئي ، تؤدي الحرائق إلى فقدان الغطاء النباتي، وانجراف التربة، وتراجع التنوع الحيوي. إن العديد من الأنواع المستوطنة مثل الصنوبر البروتي والسنديان العذري تواجه خطر الانقراض المحلي.
ثانياً : التحليل الهندسي لإدارة الحرائق
من منظور هندسي تُظهر تقارير الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية أن منظومات الإنذار المبكر محدودة وتعتمد على المراقبة البشرية.
يُوصى هندسيًا بتطبيق النموذج الأوروبي لإدارة الغابات الحرارية، الذي يرتكز على:
- إنشاء خرائط حرارية رقمية لتحديد النقاط عالية الخطورة.
- بناء حواجز نارية هندسية من تربة مضغوطة وصخور محلية.
- اعتماد نظم تصريف مياه سطحية لتقليل تراكم المواد القابلة للاشتعال.
- إعادة تشجير المناطق المحترقة وفق تصميمات هندسية مقاومة للنار.
ثالثاً : أثر الحرائق على المحميات الطبيعية السورية
- محمية الفرنلق: تعرضت عامي 2020 و2022 لحرائق أتت على أكثر من 1200 هكتار.
- محمية الشوح والأرز: سجلت خسائر في الأنواع المخروطية النادرة.
- منطقة البلعاس: شهدت تدهورًا في الغطاء العشبي.
- غابات اللاذقية : الزحف العمراني نحوها زاد من خطر الحرائق .
وفق تقديرات جامعة تشرين (2024)، فإن 70% من الحرائق أثرت سلبًا في توازن الأنظمة البيئية، وأدت إلى انبعاث أكثر من 2.5 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون سنويًا.
رابعاً: العلاقة بين التغير المناخي والسياسات الحكومية
التغير المناخي ليس وحده العامل المسبب فحسب ، بل قصور الإدارة البيئية وضعف التنسيق المؤسسي زادا من الأضرار كغياب استراتيجيات متكاملة لإدارة الغابات، وعدم نفاذية قانون الحراج لعام 2023 ، وقبله قانون /رقم /6 لعام 2018 حدّا من فاعلية الإجراءات الوقائية.
خامساً : التقنيات الحديثة في مراقبة الحرائق (الطائرات بدون طيار والذكاء الاصطناعي)
أحدثت التكنولوجيا نقلة نوعية في إدارة الكوارث البيئية عالميًا فيمكن لسوريا الاستفادة من هذه الاتجاهات الحديثة عبر:
- الطائرات بدون طيار (Drones): تتيح تصويراً حرارياً فورياً للكشف عن بؤر النار، ورسم خرائط دقيقة لامتداد الحريق.
- الذكاء الاصطناعي (AI): يُوظَف لتحليل صور الأقمار الصناعية بشكل آني عبر خوارزميات الكشف التلقائي عن الدخان والحرارة.
الطائرات المسيرة (Drones) ودورها في مراقبة وإدارة حرائق الغابات
أظهرت الأبحاث الحديثة أن الطائرات بدون طيار أصبحت أداة مركزية في منظومات إدارة مخاطر الحرائق، إذ تُوفر مراقبة حرارية فورية وتغطية مكانية دقيقة بتكلفة منخفضة نسبيًا مقارنة بالتصوير الجوي التقليدي . (FAO, 2023) تعتمد فعالية هذه الطائرات على قدرتها على جمع بيانات متعددة الأطياف (Multispectral) تشمل الانعكاسات الطيفية للنباتات، محتوى الرطوبة، ودرجات الحرارة السطحية، مما يسمح بتحديد مؤشر القابلية للاشتعال (Fire Susceptibility Index) في الوقت الحقيقي (UNEP, 2024).
تُظهِر دراسات European Forest Institute (EFI, 2023) أن دمج الطائرات الحرارية المزودة بحساسات FLIR في برامج المراقبة الدورية يقلل من زمن اكتشاف الحرائق بنسبة تتراوح بين 60-80% مقارنة بالمراقبة الأرضية. كما تُتيح البيانات الحرارية المُلتقطة تحليل تطور البؤر النشِطة (Hotspots) بدقة مترية، ما يُمكّن من نمذجة اتجاه الحريق وسرعة تمدده بالاعتماد على مُعطيات الرياح والانحدار الطبوغرافي (Copernicus EMS, 2024).
من الناحية التقنية ، توصي منظمة UNEP (2024) باستخدام طائرات من فئة Matrice 300 RTK أو ما يعادلها، القادرة على التحليق بارتفاع يصل إلى 2KMولمدة تتجاوز45 دقيقة، مع نقل مباشر للبيانات الحرارية عبر شبكات LTE أو الأقمار الصناعية. هذه القدرات تتيح تغطية مساحات تصل إلى 10KM2في الرحلة الواحدة، وتوفير خرائط حرارية آنية تُدمج في نظم المعلومات الجغرافية (GIS) للمساعدة في اتخاذ القرار السريع.
وفق مجلة Remote Sensing of Environment (Vol. 296, 2024) إن استخدام الطائرات المسيرة المزودة بخوارزميات ذكاء اصطناعي للتعرف الآلي على الدخان والهباب (Automated Smoke Detection) مُجدي، حيث ترفع دقة الاكتشاف إلى 92% في البيئات الجبلية، وهي بيئات مشابهة لتضاريس الساحل السوري.
من الناحية الاقتصادية وفق تقرير FAO Regional Office for Near East and North Africa (2023) الذي أشار إلى أن تطبيق نظم المراقبة الجوية عبر الطائرات المسيرة يُخفِض تكاليف التشغيل بنسبة 35-45% مقارنة بالدوريات الأرضية، مع تحسين كفاءة تغطية المساحات الحرجية بمقدار ثلاثة أضعاف.
في السياق السوري، يمكن تبني نموذج “ الإدارة المتكاملة بالدرونز” (Integrated Drone-based Forest Management) عبر تضافر الجهود في تدريب الكوادر في وزارة الزراعة والبيئة مع الهيئة العامة للحراج بالتعاون مع وزارة الطوارئ والكوارث (الدفاع المدني) على تحليل البيانات المكانية وربطها بمنصات تحليل مثل Google Earth Engine و FireWatch Pro، مما يسهم في تكوين منظومة إنذار مبكر متصلة مع بيانات الأرصاد الجوية المحلية، ويعزز من جاهزية الاستجابة للطوارئ لمواجهة الحرائق المحتملة .
سادساً: الحلول والتوصيات
إن إعادة تأهيل الغابات المحترقة والحد من حدوث كوارث محتملة تتطلب مزيجاً من الحلول الهندسية والبيئية والمجتمعية :
- إعادة التشجير الذكي باستخدام نباتات مقاومة للجفاف لتعويض الفاقد البيئي.
- تفعيل المشاركة المجتمعية في الرقابة والإبلاغ، والرقابة الموسمية.
- إطلاق مركز مشترك بين الهيئات الحكومية الفاعلة للبيانات البيئية.
- وضع استراتيجيات حكومية قابلة للإنفاذ من أجل الحد من توسع العمران .
- الاستفادة من التكنولوجيا الذكية و ثورة الذكاء الاصطناعي في أنماط الكشف والتنبؤ عن المخاطر للتأهب لها والحد من وقوعها .
وفي نهاية هذا المقال فإن حرائق الساحل السوري ليست مجرد حوادث موسمية، بل انعكاس لأزمة بيئية هيكلية تتقاطع فيها التغيرات المناخية مع عوامل قانونية وإدارية .
إن التحول الاستراتيجي في السياسات الذي يدمج بين القانون والتكنولوجيا والجهود المجتمعية في الاستثمار في أنماط وخوارزميات الذكاء الاصطناعي وتطوير البنية التحتية البيئية ضرورة وطنية لحماية مستقبل سوريا البيئي.
المراجع :
- وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي السورية – تقرير “حصاد حرائق الغابات في الساحل السوري 2010–2024”.
- الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية – دراسة “ تقييم نظم الإنذار المبكر للحرائق في غابات اللاذقية وطرطوس”، دمشق، 2023.
- جامعة تشرين – كلية الهندسة الزراعية – بحث “ التحليل البيئي لحرائق الساحل وتأثيرها في التنوع النباتي” 2024.
- المديرية العامة للمحميات الطبيعية في سوريا – بيانات إحصائية سنوية 2022–2024 حول محميات الفرنلق والشوح والأرز والبلعاس.
- مجلة جامعة دمشق للبحوث العلمية – العدد 2، المجلد 40، “تحليل العوامل المسببة لحرائق الغابات في سوريا”، 2023.
- FAO (Food and Agriculture Organization) – “Wildfire Management in the Eastern Mediterranean Region: Trends and Challenges,” FAO Forestry Paper No. 191, 2023.
- UNEP (United Nations Environment Programme) – “Climate Change and Forest Fire Risks in the Mediterranean Basin,” UNEP Regional Report, 2024.
- European Forest Institute (EFI) – “Mediterranean Fire Ecology and Resilience Strategies,”
- Copernicus Emergency Management Service – Satellite fire data reports for Syria and Lebanon, 2023–2025.
- Google Earth Engine & FireWatch Pro technical briefs – Applications of AI and drones in wildfire detection, 2024.
- IUCN (International Union for Conservation of Nature) – “Biodiversity Loss and Forest Fires in the Middle East,” IUCN Working Paper, 2024.
- European Commission – JRC – “Wildfire Risk in Southern Europe and the Middle East under Future Climate Scenarios,”
- (2023). Wildfire Management in the Eastern Mediterranean Region: Trends and Challenges. Rome: FAO Forestry Paper No. 191.
- (2024). Climate Change and Forest Fire Risks in the Mediterranean Basin. UNEP Regional Report, Geneva.
- European Forest Institute (EFI). (2023). Mediterranean Fire Ecology and Resilience Strategies. Joensuu, Finland.
- Copernicus Emergency Management Service (EMS). (2024). Fire Monitoring Data Series for Syria and Lebanon (2023–2024).
- Remote Sensing of Environment. (2024). “AI-Based Early Detection of Wildfires Using Multispectral UAV Imaging.” Vol. 296, pp. 118–130.
- FAO Regional Office for Near East and North Africa. (2023). Drone Applications for Forest and Rangeland Monitoring.
