المهندس
محمد رامز الطبشي
جودة التنفيذ في المشاريع السورية بين التحديات والواقع الميداني
الكاتب: محمد رامز رشاد الطبشي
1- المقدمة :
تُعدّ جودة التنفيذ في المشاريع الهندسية اليوم من أكثر القضايا إلحاحاً في سوريا، ليست فقط من منظور مهني، بل لارتباطها المباشر بمرحلة إعادة الإعمار التي بدأت ملامحها بالظهور تدريجياً بعد تحرير بلادنا من النظام البائد وعودة المهجرين والنازحين إلى مدنهم ، فكل خطأ تنفيذي صغير يمكن أن يتحول لاحقًاً إلى خلل إنشائي كبير يهدد السلامة العامة ،ويرفع كلفة الصّيانة والتّرميم ويُضعف موثوقيّة البُنية التّحتيّة الوطنيّة.
وتشير تقديرات المهندسين العاملين في الميدان إلى أنّ ما حوالي 20–30% من المشاكل التي تظهر بعد الاستلام تعود لأخطاء تنفيذية كان يمكن تفاديها بسهولة لو تمّت المتابعة الميدانيّة والرقابيّة بالشكل المطلوب، فعلى سبيل المثال انهار سد زيزون في منطقة الغاب التابع لمحافظة حماه عام 2002 ، مما أسفر عن حدوث فيضان غمر 4 قرى و 60 كيلومتراً مربعاً من الأراضي الزراعية، وتسبب بمقتل 27 شخصاً و آلاف المشردين، ، رغم أنّ المشروع كان مطابقاً من الناحية النظرية للمخططات الإنشائية، هذا مثال وغيره الكثير.
فلا نريد تكرار أخطاء الماضي و يجب أن نتعلم منها دروساً لتساعدنا في إعادة إعمار بلادنا.
2- مقترحات للارتقاء بجودة التنفيذ في المشاريع السورية:
للارتقاء بجودة التنفيذ الهندسي، لابد من اعتماد رؤية متكاملة تتضمن حلولاً عملية على المستويين الفني والإداري، ومن أبرزها:
1-تفعيل دور الإشراف الهندسي الحقيقي عبر زيادة عدد الزيارات الميدانية وفرض تقارير موثقة دورية، بحيث تتحول مهمة الإشراف من إجراء شكلي إلى عمل فنّي فعلي.
2-اعتماد نظام تصنيف ومراقبة للمكاتب الفنية والمقاولين، بحيث يُمنح الاعتماد فقط لمن يلتزم بمعايير الجودة والسلامة، مما يخلق منافسة إيجابية في السوق.
3-رفع كفاءة الكوادر الهندسية والفنية من خلال الدورات المستمرة التي تركز على التنفيذ الموقعي، وفهم تفاصيل الكود السوري وطرق اختبارات المواد.
4-إلزام المشاريع الكبرى بوجود مخبر دائم للمواد في موقع العمل، لمراقبة جودة الإسمنت، الحصويات، الخرسانة، وحديد التسليح بشكل فوري ومستمر.
5-تطوير آليات التواصل بين المصمم والمنفذ والمشرف عبر تقارير إلكترونية ومنصات موحدة، تتيح اتخاذ قرارات ميدانية موثقة وسريعة. .
وتشجيع استخدام التقنيات الحديثة مثل نظم المعلومات الجغرافية 6-نمذجة معلومات البناء لتقليل الأخطاء الميدانية وتحسين التنسيق,
7-تعزيز ثقافة الالتزام والمسؤولية المهنية، من خلال نشر الوعي بأن جودة التنفيذ ليست عبئاً ماليّاً بل استثماراً في السّلامة والاستدامة.
إنّ تبنّي هذه الخطوات بشكل تدريجي ومدروس يمكن أن يُحدث نقلة نوعية في واقع التنفيذ في سوريا، ويعيد الثقة بالمنتج الهندسي الوطني بوصفه جزءاً أساسيّاً من عملية إعادة الإعمار والتنمية المستدامة.
3- جودة التنفيذ في المشاريع السورية بين التحديات والواقع الميداني
رغم هذه الصعوبات، لا يمكن إغفال الجهود الكبيرة التي يبذلها المهندسون السوريون في الميدان، في محاولة للموازنة بين الإمكانيات المحدودة ومتطلبات الجودة. كما بدأت تظهر مبادرات لتطوير أنظمة المتابعة الهندسية وتفعيل دور المخابر الفنية، وهي خطوات واعدة نحو تحسين الأداء العام.
4- المخابر الفنية : الحلقة المفقودة في ضمان الجودة
تُعدّ المخابر الهندسية الركيزة العلمية التي يُبنى عليها الحكم الحقيقي على جودة المواد الإنشائية ومدى مطابقتها للمواصفات الفنية. فاختبارات الخرسانة والحديد والتربة والعزل وغيرها تمثّل حلقة الوصل بين التصميم والتنفيذ، إذ تترجم الأرقام والمعادلات النظرية إلى واقع ميداني قابل للقياس. ومع ذلك، ما زال دور المخابر في كثير من المشاريع السورية محدوداً، إمّا بسبب ضعف المتابعة أو لاعتبارها إجراءً شكليّاً يُنجز لاستكمال الأوراق فقط.
إنّ تفعيل هذا الدور يتطلب تعاوناً وثيقاً بين المهندسين المشرفين والمخابر المعتمدة، بحيث تصبح نتائج الاختبارات جزءاً من منظومة القرار الميداني لا مجرد تقارير أرشيفية. كما يُستحسن إنشاء قاعدة بيانات مركزية تربط نتائج الفحوص مع نقابة المهندسين والجهات المنفذة، لضمان الشفافية ومنع التلاعب بالنتائج.
5- دعم الدور الفني للنقابة والبلديات والمحافظات في ضبط جودة التنفيذ
تؤدي نقابة المهندسين دوراً محورياً في الإشراف الفني وضبط جودة التنفيذ من خلال متابعة تطبيق الكودات السورية والأنظمة الإنشائية في مراحل التصميم والتنفيذ والاستلام. فهي الجهة التي تعتمد الدراسات الهندسية وتدققها إنشائياً ومعمارياً، وتراقب أداء المكاتب الهندسية والمهندسين المشرفين، بما يضمن توحيد مستوى الجودة بين المشاريع المختلفة. كما أنّ تفعيل لجان النقابة الفنية والميدانية يُسهم في الكشف المبكر عن الأخطاء التنفيذية ومعالجتها قبل أن تتفاقم.
أما البلديات، فتمثل الذراع الميداني لتطبيق أنظمة البناء، إذ تراقب مراحل التنفيذ على الواقع وتتحقق من الالتزام بالمخططات المصادق عليها ومن جودة المواد المستعملة ومتانة العناصر الإنشائية. في حين تقوم المحافظات بدور الإشراف والتنسيق بين الجهات الخدمية والرقابية، من خلال إلزام المشاريع العامة والخاصة بإجراء الفحوص المخبرية الدورية ومتابعة نتائجها عبر تقارير رسمية معتمدة.
إن التكامل بين هذه الجهات يوفّر منظومة رقابية هندسية متكاملة، تضمن ضبط الجودة وفق الأسس العلمية والفنية، وتُعيد الثقة بالبناء المحلي كمنتج آمن ومستدام يعكس كفاءة المهندس السوري والتزامه المهني.
6- أثر الروتين الإداري على جودة التنفيذ
يشكّل التنسيق بين نقابة المهندسين والبلديات محوراً أساسيّاً في ضبط جودة التنفيذ وضمان الالتزام بالكودات والأنظمة الفنية المعتمدة. ومع ذلك، فإن الروتين الإداري القائم بين هذه الجهات ما يزال أحد العوامل التي تؤثر سلباً على فعالية الرقابة الفنية وسرعة اتخاذ القرار الميداني. فتعقيدات الإجراءات الورقية وتعدد مراحل الموافقات يؤديان إلى تأخير في معالجة الملاحظات التنفيذية، مما يسمح بمرور بعض الأخطاء دون تصحيح في الوقت المناسب.
كما أن غياب منظومة رقميّة موحدة لتبادل المعلومات والمخططات والتقارير الفنية بين النقابة والبلديات يحدّ من سرعة التواصل ويضعف التكامل بين الرقابة الفنية والإدارية. وغالبًا ما تتحول الرقابة نتيجة لذلك إلى إجراء شكلي أكثر من كونها عملية مهنية فاعلة ومستمرة.
إن تجاوز هذه العقبات يتطلب تحديث آليات التنسيق من خلال اعتماد نظام إلكتروني موحّد للمتابعة والإشراف يربط النقابة بالبلديات والمحافظات، بما يتيح مراقبة التنفيذ ميدانياّ وتبادل التقارير الفنية بشكل فوري. إن تطبيق هذا النهج سيعزز كفاءة الرقابة الهندسية ويرفع مستوى جودة التنفيذ، ويحول العمل من النمط الورقي التقليدي إلى منظومة مهنية حديثة أكثر دقة وشفافية.
7- حماية مهندس المخابر وضمان استقلالية العمل الفني
يُعتبر مهندس المخابر الفنية جزءًا أساسيًا من منظومة الرقابة الهندسية، ومسؤوليته العلمية والمهنية تؤثر مباشرة على جودة وسلامة المنشآت. لذلك، من الضروري أن يتمتع المهندس بالاستقلالية الكاملة في أداء مهامه، بعيدًا عن أي ضغوط من المقاولين أو الجهات المنفذة أو أي طرف آخر.
تبدأ حماية المهندس بوضع أنظمة تشريعية وتنظيمية واضحة تفصل بين المسؤولية المهنية للمختبر والالتزامات التنفيذية للمقاولين والمالكين، بحيث تكون نتائج الاختبارات الرسمية معتمدة وموثقة لدى النقابة والجهات الرقابية دون أي تدخل خارجي. كما يجب أن توفر النقابة والجهات المعنية غطاءً قانونياً لمهندس المخابر عند تعرضه لأي ضغط، مع آليات للتظلم والمتابعة المهنية تتيح معالجة أي محاولة للتأثير على نزاهة النتائج.
علاوة على ذلك، يُستحسن اعتماد نظام إلكتروني مركزي لتوثيق جميع نتائج الفحوص المخبرية، بحيث تُصبح نسخة رسمية محفوظة لدى النقابة والجهات الرقابية، مما يحمي المهندس ويضمن الشفافية والمصداقية. إنّ هذه الإجراءات لا تحمي الفرد فحسب، بل تؤكد على مصداقية العملية الهندسية برمتها، وتعزز الثقة في سلامة المنشآت والمشاريع المنفذة على أرض الواقع.
8- مخبر مركزي تحت سلطة نقابة المهندسين
يطرح غياب مخبر مركزي تابع لنقابة المهندسين لإجراء اختبارات مواد البناء ودراسات ميكانيك التربة تساؤلات مهمة حول تأثير هذا الغياب على جودة المشاريع السورية. وجود مثل هذا المخبر يحمل العديد من الإيجابيات والسلبيات التي يجب تحليلها بعناية قبل اتخاذ أي قرار مؤسسي
الإيجابيات:
1-ضمان الاستقلالية المهنية: وجود مخبر تحت إشراف النقابة يضمن حيادية النتائج ويقلل فرص التأثير من المقاولين أو الجهات التنفيذية، ويعزز مصداقية الفحوص الفنية.
2-توحيد معايير الجودة: يمكن وضع بروتوكولات اختبار موحدة لجميع المشاريع، بما يضمن الالتزام بالكودات السورية والمعايير الدولية، ويحد من تفاوت جودة المواد بين المشاريع المختلفة.
3-تسريع إجراءات الرقابة: المخبر المركزي يتيح الرقابة المباشرة والدورية، ويُمكّن النقابة من متابعة المشاريع الكبرى والصغيرة على حد سواء، مما يقلل الأخطاء التنفيذية الناتجة عن التراخي أو ضعف الإشراف الميداني.
4-تعزيز التدريب والبحث العلمي: يمكن أن يصبح المخبر منصة تدريبية للمهندسين الجدد ومركزًا للبحوث التطبيقية في مواد البناء والتربة، مما يرفع المستوى العلمي والفني للقطاع.
5-مصدر لزيادة الدخل : إجراء هذه التجارب ضمن مخبر مركزي لنقابة سيعطي إيرادات مالية تستثمر في قطاعات أخرى
السلبيات:
1-ارتفاع التكاليف التشغيلية: إنشاء مخبر متكامل يحتاج إلى استثمارات كبيرة في المعدات والأجهزة وفرق العمل المتخصصة، وهو عبء مالي قد يكون صعب الاستمرار فيه على مستوى النقابة وحدها.
3-تعقيد الإجراءات الإدارية: إضافة سلطة مركزية جديدة قد تزيد من الروتين الإداري، خصوصاً إذا لم تُحدد بوضوح آليات التعاون مع البلديات والجهات التنفيذية والمخابر الخاصة.
4-احتمالية بطء إصدار النتائج: التركيز على مركز واحد قد يخلق اختناقات في إصدار النتائج للمشاريع الكثيرة والمتزامنة، ما قد يبطئ إجراءات التنفيذ ويؤثر على الجدول الزمني للمشاريع.
وجود مخبر مركزي تحت سلطة نقابة المهندسين يُمثل خطوة استراتيجية قوية لتعزيز استقلالية الرقابة ورفع مستوى الجودة، لكنه يحتاج إلى تخطيط مالي وإداري دقيق، مع وضع آليات واضحة للتنسيق مع البلديات والمخـابر الخاصة لتجنب البطء والتكدس الإداري، وضمان الانتشار الجغرافي الفعال. بهذا الشكل يمكن أن يتحول المخبر إلى ركيزة أساسية لنظام هندسي مستدام يعتمد على العلم والمعايير المهنية لا على المجاملة أو التقديرات الشخصية.
9- تعزيز الجودة عبر تبادل الخبرات بين المخابر الخاصة
يمكن لقطاع المخابر الخاصة أن يلعب دورًا محوريَّاً في رفع مستوى جودة مشاريع البناء إذا تم تفعيل آليات تبادل الخبرات والمعرفة الفنية بينهم. فالتجارب المختلفة في إجراء اختبارات الخرسانة، الحديد، التربة ومواد البناء الأخرى، تمثل ثروة علمية يمكن أن تفيد جميع الأطراف، وتقلل من الأخطاء الميدانية التي قد تنجم عن محدودية التجربة أو اختلاف الممارسات بين المخابر.
إنشاء شبكات دورية للتواصل الفني بين المخابر الخاصة، سواء عبر اجتماعات منتظمة، ورش عمل، أو منصات رقمية، يتيح توحيد طرق الفحص والمعايرة، ويحفز اعتماد أفضل الممارسات الحديثة. كما يعزز ذلك من الشفافية والمصداقية، حيث يمكن تبادل النتائج الميدانية والدروس المستفادة، وبالتالي تحسين إجراءات الرقابة على المشاريع بشكل غير مركزي، مع دعم النقابة والجهات الرقابية الرسمية في ضبط الجودة.
يمكن أيضًا أن يشمل هذا التبادل تدريبًا مشتركًا للكوادر الفنية، مما يرفع مستوى المهارات المهنية ويخلق بيئة من التعلم المستمر، تساعد في الحد من الفروقات بين المخابر وضمان نتائج أكثر دقة وموثوقية.
في ضوء ما سبق إنّ الارتقاء بجودة التنفيذ في المشاريع السورية لم يعد خياراً تقنيّاً أو خطوة إجرائية، بل أصبح ضرورة وطنية تمسّ أمن المجتمع وحقه في بنية تحتية موثوقة ، ففي ظلّ مرحلة التعافي وإعادة الإعمار، تبرز الحاجة الملحّة إلى منظومة هندسية متماسكة تُعيد الثقة بالقطاع الهندسي المحلي، وتعتمد على المعرفة العلمية، والرقابة المهنية، والمخابر الفنية المستقلة.
و نجاح سوريا في بناء مرحلة عمرانية جديدة مرهون بقدرتنا على تطبيق الكودات والمواصفات بصرامة، وعلى حماية المهندس والفنّي ومنحهم الأدوات والظروف التي تمكّنهم من أداء مهامهم دون تدخل أو ضغوط. فكل قرار هندسي صحيح هو حق في بناء مجتمع آمن، وكل خطأ تنفيذي يشكل عبئاً مستقبليّاً لا يمكن تجاهله.
وبذلك، فإن جودة التنفيذ ليست مجرد معيار هندسي، بل هي استثمار طويل الأمد في مستقبل البلاد، ورسالة مهنية وأخلاقية نوجّهها للأجيال القادمة بأن إعمار سوريا يمكن أن يكون نموذجاً في الأمان والمتانة والالتزام، مهما كانت التحديات لأن العمل بجودة عالية هو احترام للناس قبل أن يكون احتراماً للمهنة، وهو الطريق الوحيد لبناء واقع عمراني جدير بثقة السوريين ويصمد في وجه الزمن.
وفي النهاية، لا يبني سوريا سوى أبنائها.
10- المراجع
·
العلي، سالم(2016) تنبأ
بانهيار سد “سد زيزون” منذ التسعينات بسبب الفساد. دار النشر. سوريا،
موقع اقتصاد مال وأعمال السوريين. موقع الكتروني تابع لجريدة زمان الوصل السورية) مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (2002)انهيار
“سد زيزون” رقم التقرير 4 لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية .دار النشر جنيف،
منظمة العمل العالمية
·
الخطيب،
خالد(2012) العوامل المؤثرة في جودة التصميم في مشاريع التشييد في سوريا. دار
النشر، دمشق، كلية الهندسة المدنية ، قسم الهندسة الأنشائية
·
عباس،
نزار (2015) تقييم تجربة تشيد المباني في سوريا بالمقاربة مع مفاهيم نظم صناعة
البناء. دار النشر، حمص، جامعة حمص، كلية الهندسة المدنية
