تحديات إعادة تأهيل قطاع الطاقة الكهربائية في سوريا

بقلم م. هيثم شعار

بعد عام من التحرير، لا تزال البنية التحتية للطاقة الكهربائية في سوريا تعاني أضرارًا واسعة النطاق.
فقبل انطلاق الثورة عام 2011، بلغت القدرة التوليدية الوطنية 9.8 غيغا واط، لكنها انخفضت بعد
14 عامًا من الحرب لتصل إلى 5.3 غيغا واط، بنسبة تشغيل أقل من 50%
أما شبكة النقل الكهربائية، فقد تضرر نحو 30% منها، مما أثر بشكل كبير على توزيع الطاقة واستقرار
الشبكة. والمشكلة الأساسية للشبكة السورية ليست في كابلات الألومنيوم كما يظن البعض، بل في
تعرض جزء من محطات التحويل والأبراج الكهربائية للتدمير والسرقة، بالإضافة إلى تدهور وتهالك
المحطات الأخرى نتيجة الإهمال المتعمد خلال سنوات الحرب.
خلال الأشهر الماضية، ازداد عدد ساعات التغذية الكهربائية نتيجة أعمال الصيانة التي قامت بها وزارة
الطاقة في محطات التوليد ومحطات التحويل. إلا أن الانقطاعات الطويلة ما زالت مستمرة في مختلف
المدن السورية، ولا يزال التقدم بطيئًا بسبب تحديات تشمل نقص التمويل، وضعف الكوادر، وغياب
قطع الغيار الأساسية اللازمة لاستعادة قدرات توليد ونقل الكهرباء.
ولتغطية فترات الانقطاع، لجأ الكثير من أصحاب المنازل والمصانع في السنوات الماضية إلى تركيب
منظومات الطاقة الكهروضوئية (الشمسية) المزودة ببطاريات تخزين. وقد ساهم انتشارها الواسع برفع
حصة الطاقة المتجددة في مزيج الكهرباء الوطني، لتصبح سوريا تضاهي الدول الأوروبية من حيث
نسبة اعتماد الفرد على الطاقة النظيفة مقارنة بالوقود الأحفوري (كالغاز أو الفيول).
والخطوة المنطقية القادمة يجب أن تفضي إلى دمج منظومات الطاقة الكهروضوئية تدريجيًا ضمن
الشبكة كقدرات توليدية، وذلك للاستفادة من فائض إنتاج الألواح الشمسية. لكن في نهاية المطاف، يبقى
توليد الكهرباء بواسطة ألواح الطاقة الشمسية وسيلة مساعدة وليس بديلاً عن الشبكة الكهربائية، وذلك
بسبب ارتفاع الكلفة ومحدودية القدرة الكهربائية. واليوم، يقتصر دور هذه المنظومات على تغذية
الأجهزة الأساسية فقط أثناء الانقطاعات، وهي بشكل عام لا تصلح كحل بديل عن الشبكة.

لمعالجة فجوة التوليد وتلبية الطلب المتزايد على الكهرباء، وقعت وزارة الطاقة السورية في شهر نوفمبر
2025 الاتفاقيات النهائية لإنشاء وتشغيل ثماني محطات لتوليد الكهرباء بقدرة 5 غيغا واط، وذلك مع
تحالف دولي بقيادة شركة أورباكون القابضة UCC Holding القطرية. كما وقعت مجموعة أكوا
باور ACWA Power السعودية مؤخرًا اتفاقية مشتركة مع الحكومة السورية لدراسة تطوير نحو
2.5 غيغا واط من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، مع خطة لإجراء دراسات تقنية وتجارية تفصيلية
حول المحطات القائمة وتطوير الشبكة الوطنية. وتعد هذه الصفقات خطوة حاسمة نحو نموذج تنمية
مستدامة في سوريا عبر الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
تشكل الاستثمارات الضخمة في قطاع الطاقة السورية حجر الزاوية في جهود إعادة الإعمار، إلا أن
تنفيذ هذه المشاريع يواجه تحديات كبيرة نتيجة العقوبات الدولية السابقة على سوريا، والتي قد تستمر
آثارها لعدة أشهر أو حتى سنوات بعد رفعها. إذ تحتاج الشركات الدولية الكبرى إلى وقت لتفعيل أعمالها
في سوريا، نتيجة حاجة الشركات لاستكمال إجراءاتها الروتينية الداخلية، وتقييم المخاطر، وإجراء
فحوص الامتثال. كما يترتب على الشركات، قبل البدء في أي مشروع، استكمال دراسات الجدوى
الاقتصادية، وترتيبات التمويل، وضمان الامتثال التنظيمي. فكثيرًا ما تعمل الشركات الكبرى بشكل يشبه
عمل الهيئات الحكومية بدول العالم، وفقًا للروتين والبيروقراطية المعقدة.
يعتمد أي مشروع كبير يُقام في دولة ما على سلاسل إمداد متكاملة وشبكة واسعة من المقاولين
المتخصصين. ومع قيام المشاريع الضخمة في سوريا، التي تمتد فترة تنفيذها لسنوات مثل بناء محطات
التوليد، يتوجب إعادة بناء تلك السلاسل داخل البلد، وذلك بتأمين المقاولين المحليين وإعادة إنشاء
الشبكات اللوجستية لضمان توفر المواد والمعدات والكوادر المتخصصة.
بالمقابل، عانى قطاع الأعمال بين الشركات (B2B) خلال سنوات الحرب في سوريا من تراجع كبير
في المنتجات والخدمات نتيجة نقص الاستثمارات، حيث شهدت العديد من الشركات التخصصية هجرة
الكفاءات واضطرت لتقليص نشاطها والتحول نحو السلع الاستهلاكية أو الخدمات البسيطة للبقاء، فيما
أغلقت شركات أخرى أبوابها بشكل نهائي. وحتى بعد عام من التحرير، لا يزال التفكير السائد لدى
التجار والصناعيين المحليين محصورًا بالأعمال التي تعتمد على المستهلك النهائي (B2C)، أي على
السلع الاستهلاكية والخدمات الموجهة للأفراد.
سيكون بناء القدرات البشرية محورياً في تجاوز تحديات إعادة إعمار قطاع الطاقة. فالمهندسون
والمدراء وفرق الفنيين بحاجة إلى تدريب إضافي في مجالات الحوكمة، والعمل الجماعي، والتمكين،
والتفكير النقدي، ليتمكنوا من دعم جهود إعادة الإعمار بشكل فاعل. ويتميز المجتمع السوري الفتي
بحرصه الشديد على التعلم، كما تضم الجاليات السورية حول العالم عددًا كبيرًا من الكفاءات العالية،
التي يمكن أن تكون قوة دافعة في بناء القدرات. وبالفعل، أظهر العديد من السوريين المقيمين في الخارج
رغبة في دعم جهود إعادة الإعمار، وقد تشكلت العديد من مجموعات العمل في عدة قطاعات بعد
التحرير.
ويبقى للمواطن دور محوري في دعم استقرار الشبكة وزيادة ساعات التغذية الكهربائية، من خلال تغيير
سلوكيات استهلاك الطاقة واعتماد الترشيد كأسلوب حياة. فخفض الاستهلاك المنزلي والصناعي يخفف
الضغط على الشبكة، مما يسهم في زيادة عدد ساعات الوصل. ويمكن تحقيق ذلك عمليًا عبر استبدال
الأجهزة الكهربائية القديمة (مصابيح، مكيفات، ثلاجات) وأجهزة المصانع بمعدات موفرة للطاقة. كما
يُنصح بالبحث عن بدائل للسخان الكهربائي أو أي أجهزة تستخدم الكهرباء للتدفئة أو تسخين المياه،
إذ أن استخدام الكهرباء لهذه الأغراض غير مجدٍ من حيث الكفاءة عند النظر إلى كامل منظومة توليد

ونقل وتوزيع الطاقة. إضافةً إلى ذلك، يسهم الالتزام بالقوانين والتعليمات لتفادي التجاوزات على
الشبكة في الحد من الفاقد، مما ينعكس مباشرة على تحسين تكلفة الكهرباء واستقرارها.