المهندس
ملهم أبو حسن
الكود العربي السوري: الواقع، وآفاق التطوير
تمهيد :
الكود العربي السوري لتصميم وتنفيذ المنشآت بالخرسانة المسلحة (يُشار إليه اختصاراً بـ «الكود السوري») هو مرجع هندسي يُطبّق في سورية لتصميم وتنفيذ المباني الخرسانية المسلحة، ويُعدّ أحد الأدوات التنظيمية الأساسية لضمان السلامة الإنشائية، مقاومة الزلازل، الجودة، وكفاءة التنفيذ في قطاع البناء.
خلفية تاريخية :
- أول إصدار معروف من الكود السوري جاء في أوائل التسعينيات، حيث تم اعتماد النسخة الأولى من قبل نقابة المهندسين السوريين عام 1992.
- الإصدار الثاني جاء عام 1995 وأدخِلَ فيه متطلبات مقاومة الزلازل.
- لاحقاً، طُرِح ملحق خاص بـ “تصميم وتحقيق المباني والمنشآت لمقاومة الزلازل” (الملحق رقم (2)) عام 2005.
- النسخة الأصليّة أو الإصدارات السابقة تشمل سنة 2006 كإصدار حديث للكود.
- الكود يُطبّق بإلزامية ضمن تصاميم الإنشاءات والحصول على رخص البناء، ويُعد مرجعاً قانونياً عند التحكيم الهندسي.
التنمية والتطوير للمرحلة القادمة
الدوافع للرؤية المستقبلية
- تجارب الزلازل والأحداث المناخية: أظهرت التجارب أن الالتزام بالكود يقلل من الأضرار بشكل كبير، في حين أن المباني التي لم تلتزم تعرّضت لخسائر كبيرة.
2. التحديات التقنية والمعمارية الحديثة: تغيّر المعايير العالمية في كفاءة الطاقة والعزل الحراري، ما يستدعي تحديث الكود ليشمل متطلبات أكثر حداثة.
3. إعادة الإعمار بعد الحرب: في سياق إعادة بناء البُنى التحتية والمباني المتضرّرة، ظهرت حاجة لتعزيز الكود وضمان توافقه مع أسس التصميم الآمن والمستدام.
4. التحول نحو البناء المستدام: التركيز المتزايد على العزل الحراري، كفاءة الطاقة، وتقنيات حديثة في البناء يدعو إلى تحديث الكود لدمج هذه المعايير.
عناصر مقترحة للتطوير
إدماج متطلبات العزل الحراري والطاقة: تم توقيع مذكرة تفاهم سورية-ألمانية في أكتوبر 2025 لتحديث كود العزل الحراري للأبنية، ما يشير إلى جهد حقيقي نحو هذا التطوير.
- رفع متطلبات السلامة الزلزالية: كما أعلن وزير الأشغال العامة عن التعديلات التي تُعدّ «الإصدار الخامس» للكود تهدف لتعزيز السلامة الإنشائية.
- تحديث الخرائط الزلزالية والمعامل التصميمية: من المهم تحديث خرائط الزلازل والمواقع، بما يتماشى مع البيانات الجديدة والتغيرات الجيولوجية والمناخية.
- تطبيق رقابي أفضل وتدقيق جودة التنفيذ: التأكد من تنفيذ المشاريع بشكل صحيح ووفق المتطلبات، مع رفع كفاءة الهيئات الرقابية ونقابة المهندسين.
- إتاحة النسخ الرقمية والتدريب المهني: توفير نسخ محدثة من الكود، دورات تدريبية للمهندسين والمقاولين، وأدوات مساعدة للتصميم.
- دمج معايير الاستدامة والمواد الحديثة: مواكبة التغيّر في نوعيات الخرسانة والمواد والعوامل البيئية.
تجارب السعودية وألمانيا في تطوير أكواد البناء
شهدت كل من السعودية وألمانيا مسيرة مميزة في تطوير أكواد البناء بما يواكب التطور التقني ومتطلبات الأمان والاستدامة.
ففي المملكة العربية السعودية، انطلقت فكرة إعداد الكود السعودي للبناء (SBC) بقرار مجلس الوزراء رقم 7ب/3230 بتاريخ 9 مارس 2000م (1421هـ)، لتشكيل اللجنة الوطنية للكود. وفي 19 ديسمبر 2004م صدر قرار مجلس الوزراء رقم 279 لاعتماد الإطار العام للكود، ثم جاء المرسوم الملكي رقم م/43 لعام 2007م ليجعل تطبيقه إلزامياً في جميع المباني العامة والخاصة.
تتابعت بعد ذلك عمليات التحديث، حيث صدرت نسخة 2018 التي تضمنت أكواد تخصصية تفصيلية، تلتها النسخة المحدثة لعام 2024 التي أضافت متطلبات جديدة تخص مقاومة الزلازل، كفاءة الطاقة، والمباني المستدامة، لتجعل الكود السعودي من أكثر الأكواد الإقليمية تطوراً.
أما في ألمانيا، فقد تشكل نظام الأكواد استناداً إلى قانون البناء النموذجي Musterbauordnung (MBO) الذي وُضع لأول مرة في خمسينيات القرن العشرين بهدف توحيد القواعد بين الولايات الألمانية. جرى تحديث هذا القانون عدة مرات، أبرزها في 2002 و2016، حيث أضيفت المادة §85a الخاصة بالمتطلبات التقنية. وفي عام 2017 صدرت اللائحة الفنية الإدارية الموحدة (MVV TB)، التي جمعت القواعد الفنية الخاصة بالأمان، مقاومة الحريق، وكفاءة الطاقة ضمن إطار وطني موحد ومتوافق مع تشريعات الاتحاد الأوروبي. كما تم إقرار قانون كفاءة الطاقة للمباني (Gebäudeenergiegesetz) عام 2020 الذي دمج كل التشريعات السابقة المتعلقة بكفاءة الطاقة في البناء.
تُظهر التجربتان أن تطوير الأكواد الوطنية الناجح يقوم على التحديث المستمر، والتعاون المؤسسي بين الجهات المختصة، والتكامل مع المعايير الدولية، مع تركيز متزايد على الأمان، كفاءة الطاقة، والاستدامة كدعائم أساسية للبناء الحديث.
الخاتمة:
يمثّل الكود العربي السوري الركيزة الأساسية لضمان سلامة وأمان الأبنية في سورية، فهو ليس مجرد وثيقة تنظيمية، بل إطار هندسي شامل يربط بين متطلبات الأمان والجودة والاستدامة. إن التحديات التي أفرزتها الزلازل والتغيرات المناخية، إضافة إلى متطلبات إعادة الإعمار، تفرض ضرورة تطوير هذا الكود بشكل مستمر ليتماشى مع أحدث الممارسات العالمية في التصميم والتنفيذ.
ومن خلال الاستفادة من التجارب الدولية، كالسعودية وألمانيا، يمكن تعزيز قدرة الكود السوري على مواكبة المعايير العالمية وتحقيق توازن فعّال بين الأمان، الكفاءة، والابتكار الهندسي. إن التحديث المستمر للكود، وتكامل الجهود بين الجهات الأكاديمية والنقابية والحكومية، يشكّلان الخطوة الأهم نحو نهضة عمرانية آمنة ومستدامة في سورية المستقبل.المراجع:
- HLP Syria Report. Explained: Earthquake Resistance in Syria’s Construction Code. https://hlp.syria-report.com
- Library of Manzala Academy. Syrian Arab Code – Appendix No. 2: Seismic Design Requirements, 2005. https://library.manzalaacademy.edu.eg
- الكود العربي السوري لتصميم وتنفيذ المنشآت بالخرسانة المسلحة – نقاشات ومراجع هندسية. https://www.jamaa.net
- دراسات تطبيقية حول الكود العربي السوري للخرسانة المسلحة.
https://www.shamra-academia.com
- تقارير عن الزلازل وأثر الالتزام بالكود السوري في تخفيف الأضرار.
- Enab Baladi (English Edition). Syrian-German Cooperation to Update Syria’s Thermal Insulation Code for Buildings (October 2025). https://english.enabbaladi.net
- وزير الأشغال العامة: التعديلات الخامسة على الكود لتعزيز السلامة الإنشائية (2025). https://almashhadonline.com
- Saudipedia – Saudi Building Code
- Saudi Building Code National Committee (SBC.gov.sa)
- Al-Mudhei, A.A., Factors Affecting the Implementation of the Saudi Building Code, KFUPM, 2009.
- Deutsches Institut für Bautechnik (DIBt.de)
- Wikipedia – Musterbauordnung (Germany)
- Housing2030 – The German Building Code & Energy Conservation Act
