التقاء الماضي بالمستقبل: التربة حبراً لأحدث طابعات البناء 

بقلم: م. راما الهريسي

بين ذاكرة الأرض وذكاء الآلة يردم مشروع تيكلا – TECLA الفجوة الزمنية بين أقدم مادة بناء عرفها الإنسان، وأحدث تقنيات التصنيع الرقمي. من قلب إيطاليا، وعبر تعاون استراتيجي بين شركتي MCA وWASP، نشأ النموذج السكني الأول من نوعه ليثبت كفاءة العمارة الطينية عند دمجها بالتقنيات في إنتاج وحدات سكنية عالية الكفاءة، سريعة التنفيذ، ذاتية الاكتفاء.

 

1- تحويل المادة من عنصر إنشائي إلى جزء من النظام 

نشأ تيكلا (TECLA اختصار مركّب من كلمتي Technology وClay تكنولوجيا وطين) من فكرة تحويل الطين من مادة بدائية مرتبطة بالبناء اليدوي إلى مادة إنشائية رقمية قابلة للضبط والتحكم والتكرار. لا يُقصد بالمشروع إنتاج منزل مطبوع فحسب، بل تطوير نظام بناء مفتوح يتكيّف مع السياقات الجغرافية والمناخية المختلفة، اعتمادًا على موارد الموقع نفسه.

لم يعتمد تيكلا على التربة بوصفها بديلاً منخفض التكلفة للخرسانة، وإنما مادةً أساسية ذات أداء فيزيائي وحراري يخدم تكامل النظام الإنشائي. تُستخرَج التربة من محيط الموقع، وتُعالَج بخلطات محددة من الماء والألياف والمواد المضافة الطبيعية، لتصبح قابلةً للضخ والطباعة بطبقات متتالية.
يقلل ذلك الاعتماد على الاستيراد، ويخفض البصمة الكربونية المرتبطة بالنقل والتصنيع، ويعيد إدخال مفهوم المادة المحلية ضمن إطار تكنولوجي.

2- بناء وحدات سكنية مستقلة في أيام قليلة 

يُعدّ مشروع تيكلا أول بيئة سكنية صديقة للبيئة تُبنى باستخدام طابعات Crane WASP، تتميز الطابعة بسهولة توسيعها وتكيفها مع احتياجات المشاريع. تطبع الوحدة الأساسية ضمن مساحة 50 مترًا مربعًا. صُممَت الطابعة لتصبح جاهزةً للتشغيل في غضون ساعتين فقط دون الحاجة إلى رافعات أو معدات إضافية.

استخدمت WASP طابعةً بذراعين متزامنتين يعملان باستخدام برنامج قادر على تحسين الحركات وتجنب الاصطدامات على نفس الهيكل المعماري، مع الحفاظ على استمرارية صب المادة. يقلل تزامن ذراعي الطابعة زمن التنفيذ كثيرًا؛ إذ يمكن تسليم منزل تيكلا (بمساحة 60 متر مربع) في 200 ساعة طباعة فقط. يُترجَم التصميم المعماري إلى لغة برمجة، فيعمل نحو 7000 سطر برمجي على توجيه مسار فوهة الطابعة بدقة مليمتريه لطباعة 350 طبقة من الطين المضغوط، ارتفاع كل منها 12 مليمترًا، أي ما يعادل نحو 150 كيلومترًا من المواد المطبوعة. يستخدم المنزل 60 مترًا مكعبًا من المواد الطبيعية، بمتوسط ​​استهلاك طاقة أقل من 6 كيلوواط.

3- التصميم المعماري لتيكلا

يتخذ التصميم شكلًا عضويًا مؤلفًا من قبتين تتحدان بانحناء متصل، تنتهي كل قبة بفتحة دائرية في السقف. يمتد منزل تيكلا على مساحة 60 مترًا مربعًا تقريبًا، ويتألف من منطقة معيشة تضم مطبخًا ومنطقة نوم تضم الخدمات. أما الأثاث فهو مطبوع جزئيًا من الطين المحلي ومدمج في هيكل الأرض الخام، ومصمم لإعادة التدوير.

حسنت شركةMCA  تصميم غلاف المبنى المقبب لتحقيق التوازن بين الكتلة الحرارية والعزل والتهوية وفقًا لاحتياجات المناخ. يمكن تكييف هذه العوامل مع مختلف السياقات البيئية لضمان الراحة الداخلية، وعلى ذلك يعتمد تكوين مبنى تيكلا وشكله على الموقع الجغرافي الذي يُبنى فيه.

تتجاوز الفتحة العلوية في قبة تيكلا وظيفة الإضاءة لتشكل محركًا للتهوية الطبيعية، إذ تولّد تيار حمل حراري صاعد يصرّف الهواء الساخن، فينشأ فرق ضغط يسحب الهواء البارد ويجدده تلقائيًا. وتبرّد كذلك الغلاف الإنشائي بتفعيل حركة الهواء داخل تجاويف الجدار المزدوج، حيث يدخل الهواء البارد عبر فتحات سفلية مخصصة في القشرة الخارجية، ويمر صعودًا عبر تجاويف الجدار ليمتص الحرارة المخزنة في الكتلة الطينية ويصرفها إلى الأعلى.

تضمن هذه الآلية المزدوجة تبريدًا هيكليًا مستمرًا وتجديدًا للهواء، ما يحقق الكفاءة الحرارية المطلوبة دون الحاجة لأنظمة تكييف إضافية

4- هندسة المواد والتصميم الإنشائي في تيكلا

تصميم المزيج الترابي: تعاونت شركة MCA مع شركة مابي لتطوير مزيج الطباعة، تمثل التحدي في ابتكار مادة تحقق توازنًا دقيقًا بين الأداء التقني للمادة كسرعة التصلب ومقاومة الضغط، والحفاظ على طبيعتها الترابية مع تقليل الاعتماد على الإضافات الصناعية إلى الحد الأدنى. 

يتكوّن المزيج الناتج من:

  • تربة محلية: أُعيدت معالجتها بما يتوافق مع خصائصها الفيزيائية والكيميائية التي تحدد بدورها نظام الترشيح، ومعدات الخلط، وتصميم المزيج النهائي. 
  • ألياف ومواد طبيعية: قش الأرز وقشور الأرز ونسبة من رمل السيليكا. تسهم قشور الأرز في توفير العزل والحد من الانكماش اللدن والتحكم في التشقق المبكر خلال مراحل الجفاف الأولى.
  • المثبتات: بدلاً من الاعتماد على الأسمنت التقليدي، طورت شركة مابي موادًا رابطةً هيدروليكيةً تمنح الخليط مقاومةً للماء وتزيد المتانة الهيكلية.

النظام الإنشائي والتوازن الذاتي: يعتمد هيكل  تيكلا على مبدأ الاستقرار الذاتي ضمن نظام إنشائي يهدف إلى التغلب على ضعف مقاومة التربة لقوى الشد. صُمم النظام ليعمل تحت تأثير قوى الضغط، ما يفسر اعتماد الشكل المقبب المزدوج. توفر القبتان المتداخلتان استقرارًا ذاتيًا خلال مرحلة الطباعة، ما يسمح ببناء الطبقات المتتالية دون الحاجة إلى قوالب خشبية أو دعامات معدنية، وتؤدي التموجات الجانبية الناتجة عن مسارات الطباعة، بالإضافة إلى تغير سماكة الجدران، دورًا إنشائيًا في تحسين السلوك العام للهيكل، عبر زيادة عزم القصور الذاتي للجدران ومقاومة عدم الاستقرار خلال مرحلتي البناء والتجفيف. يسمح هذا النظام بتعديل شكل المبنى وسماكات الجدران استنادًا إلى المعطيات المناخية والجغرافية، دون الحاجة إلى إعادة تصميم أو تصنيع قوالب جديدة.

الأساسات ونقاط الاتصال: خلافًا للجدران المطبوعة، نُفذَت أساسات تيكلا باستخدام الخرسانة المصبوبة لضمان سطح مستوٍ تمامًا ولعزل الجدران الطينية عن رطوبة الأرض، مع مراعاة الأثر البيئي بتقليل الكميات المستخدمة مقارنةً بحصيرة خرسانية كاملة. طُوّر حل خاص لتثبيت الطبقات الطينية الأولى بالأساسات عبر استخدام أنابيب معدنية لضمان انتقال الأحمال واستقرار نقطة الالتقاء بين النظامين.

الحماية والعزل: نظرًا للطبيعة التجريبية للنموذج وفلسفته البيئية لا يتضمن المبنى نظام عزل مائي تقليدي. تعد نقاط الاتصال بين الطين والعناصر الصلبة كالأبواب والنوافذ مناطق حرجة تتطلب تفاصيل معمارية دقيقة لاستيعاب السياق المناخي والاختلاف في السلوك الحراري والميكانيكي للمواد. تعتمد الحماية من العوامل الجوية على تصميم الإطارات وتفاصيل النوافذ لتصريف مياه الأمطار، بالإضافة إلى الخصائص المقاومة للماء في خلطة مابي.

الجدران: يُعد تصميم الجدار الخارجي أحد أعقد التفاصيل الهندسية في تيكلا، ويحاكي في بنيته عش دبور الفخار. يتكون الجدار من قشرتين داخلية وخارجية يربط بينهما مئات الطبقات المتراكمة  تُرسم بدقة عبر مسار طباعة متصل ومتموج يحقق الصلابة الإنشائية؛ تعمل التموجات كأعصاب تقوية عرضية تزيد من العمق الفعال للجدار، ما يرفع من عزم القصور الذاتي ومقاومة عدم الاستقرار دون الحاجة لزيادة كثافة المادة.

 تعتمد فعالية الجدار الحرارية على سماكة الكتلة الترابية مع استغلال الفراغات الناتجة عن التموجات لحشوها بمواد عازلة طبيعية فتسهم في تحقيق تأخر حراري يسمح بامتصاص الحرارة خلال فترات النهار وإطلاقها تدريجيًا خلال الليل، ما يساعد في تخفيف التذبذب الحراري الداخلي وتقليل الاعتماد على أنظمة التكييف.

 5. تيكلا نموذج قابل للتكرار والتكيف

لا تكمن الأهمية الحقيقية لمفهوم تيكلا في المبنى ذاته، بل في المنهج الذي يطرحه؛ نظام بناء يمكن إعادة ضبطه وفق خصائص التربة المحلية والمناخ والاحتياجات الاجتماعية. يمثل مشروع تيكلا نموذجًا تطبيقيًا للاستدامة الشاملة، إذ تُقاس كفاءة المبنى بأدائه بعد إنجازه، وأثره البيئي والاقتصادي خلال دورة حياته الكاملة من استخراج المادة الخام إلى التشغيل والاستخدام طويل الأمد. يستهلك النظام طاقةً منخفضةً نسبيًا نحو 6 كيلوواط، ما يجعله مناسبًا للعمل في المناطق التي تعاني نقص الكهرباء باستخدام مولدات صغيرة أو ألواح شمسية. كذلك تصميم جدرانه يتجاوز القالب الثابت، مقدماً حلاً ديناميكياً تتغير خصائصه ومعاييره وفقًا لظروف الموقع الجغرافي؛ في المناخ الرطب يُعدَل الكود البرمجي لزيادة المسافة بين التموجات وتوسيع طبقة التهوية للسماح بتيار هوائي يمنع التكثف، وفي المناخ البارد تُقلَل الفراغات ويتم زيادة كثافة طبقة العزل للحفاظ على الحرارة. يحقق تيكلا هذا التوازن عبر إعادة تنظيم منطق البناء ذاته دون الاعتماد على تقنيات معقدة أو مواد عالية الانبعاث.

6. الاستدامة إطارٌ لإعادة الإعمار

لا يتعامل تيكلا مع الاستدامة بوصفها إضافة تقنيات متقدمة إلى نماذج بناء تقليدية، بل منظومة متكاملة تبدأ من استخراج المادة الخام من محيط الموقع، وتقليل استهلاك الطاقة، وصولًا إلى إنتاج فراغ معماري متكيّف مناخيًا بطبيعته. ورغم الحاجة إلى الاستثمار الأولي في معدات الطباعة والتجهيز التقني، يُعوَض ذلك بتقليص العمالة اليدوية، وتقليل زمن التنفيذ، وخفض كلفة المواد إلى الحد الأدنى، ما يجعل المشروع مرشحًا للدراسة في حلول إعادة الإعمار في سوريا، ليقدم حلًا يعظّم الاستفادة من الموارد المحلية، ويحقق سرعة التنفيذ مع الحفاظ على جودة العيش.

يتجاوز طرح تيكلا حدود المنتج النهائي ليقدم نفسه نموذجًا قابلًا للتطوير، صُمم انطلاقًا من فرضية أن الأرض المحلية يمكن أن تتحول من عائق إنشائي إلى مادة بناء رئيسية عالية الكفاءة إذا أُعيد تعريفها تكنولوجيًا. فتعدل الخلطة الترابية وفق خصائص التربة المحلية، والبرمجيات وفق المتطلبات المناخية، والشكل المعماري وفق السياق الاجتماعي. هكذا يمكن تحويل مبادئ تيكلا من تجربة معمارية رائدة إلى أداة عملية لإعادة بناء بيئة عمرانية أكثر كفاءة، وأكثر ارتباطاً بالأرض، وأكثر قدرة على الاستمرار في السياق السوري.

المصادر والمراجع:

https://www.archdaily.com/960714/tecla-technology-and-clay-3d-printed-house-mario-cucinella-architectshttps://archello.com/news/detail-3d-printed-earthen-structure-of-the-tecla-prototype-ravenna https://www.mcarchitects.it/en/projects/tecla-technology-and-clay 
https://www.3dwasp.com/en/3d-printer-house-crane-wasp/ 
https://www.3dwasp.com/en/3d-printed-house-tecla/